محمد علي محيي الدين
يُعدّ الشاعر الكردي العراقي حامد حمدون زكي، المعروف بلقبه الأدبي «بي كه س»، واحداً من الأصوات الشعرية البارزة التي أسهمت في إثراء الأدب الكردي خلال القرن العشرين، إذ جمع في تجربته بين الحس الوطني العميق والنزعة الوجدانية الصادقة، فانعكست في شعره هموم الإنسان وتطلعات الشعب وآمال الوطن.
وُلد حامد حمدون زكي سنة 1896م في مدينة السليمانية، إحدى الحواضر الثقافية المهمة في كردستان العراق، ونشأ في بيئة علمية وثقافية أسهمت في صقل موهبته مبكراً. تلقى علومه الأولى على أيدي عدد من العلماء والمشايخ، ومن أبرزهم الملا فتاح خاره، فنهل من علوم اللغة والدين والأدب، وحفظ القرآن الكريم، الأمر الذي ترك أثراً واضحاً في أسلوبه الشعري ولغته الرصينة.
لم تقتصر رحلته على حدود مدينته، بل ارتحل إلى مدينة سقز، حيث أقام نحو سبع سنوات كانت من أكثر مراحل حياته تأثيراً في تكوينه الفكري والأدبي. هناك انفتح على أوساط الشعراء والمثقفين الوطنيين الأكراد، وشارك في الحراك الثقافي والفكري الذي كان يشهده المجتمع الكردي آنذاك. كما عايش الأحداث السياسية والعسكرية المضطربة في المنطقة، وشارك في الحرب التي دارت بين الدولة العثمانية والجيش القيصري الروسي، وهي تجربة تركت بصماتها على رؤيته للحياة والوطن والإنسان.
تنقل بي كه س بين عدد من المهن، فكان معلماً وتاجراً وفقيهاً، غير أن مهنة التعليم ظلت الأقرب إلى قلبه. وبعد عودته إلى العراق عمل مدرساً في مدرسة مسجد ملا رسول بمدينة أربيل، حيث تولى تعليم عشرات التلاميذ ورعايتهم، ولم يكتف بتدريس العلوم التقليدية، بل حرص على غرس الروح الوطنية في نفوسهم من خلال الأناشيد الوطنية والأنشطة الرياضية والتربوية. كما أسهم في مكافحة الأمية عبر عمله مدرساً متنقلاً، حاملاً رسالته التعليمية إلى مختلف المناطق والشرائح الاجتماعية، إيماناً منه بأن العلم هو السبيل الأهم لنهضة المجتمع وتقدمه.

وقد تجلت موهبته الشعرية في عدد من الأعمال التي احتلت مكانة مرموقة في الأدب الكردي. وتُعد ملحمة «شيرزاد وكول شاد» من أبرز نتاجاته وأشهرها، وهي ملحمة شعرية ضخمة تضم ما يقارب ستة آلاف وخمسمائة بيت، استلهم فيها روح الملاحم الشرقية الكبرى، ولا سيما «الشاهنامة» للفردوسي. وقد صاغ فيها رؤيته التاريخية والبطولية بلغة شعرية ثرية، مستنداً إلى خياله الواسع وحبه العميق لوطنه وشعبه.
ولم تقتصر اهتماماته على الشعر الملحمي، بل امتدت إلى الكتابة التاريخية والفكرية، فأنجز كتاب «رحلة الأسفار الخمسة» الذي تناول فيه مسيرة التاريخ الإنساني منذ عهد النبي آدم عليه السلام وحتى بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، في محاولة لربط الماضي بالحاضر واستلهام العبر من مسيرة الحضارات والأمم.
كما ألّف كتاب «خواطر وأماني الوطن الأم»، وهو عمل يعكس مشاعره الوطنية وتطلعاته إلى مستقبل أفضل لشعبه ووطنه. ويُذكر أن التحولات السياسية التي شهدها العراق عقب ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 كانت من أبرز الدوافع التي ألهمته كتابة هذا العمل، إذ رأى في تلك المرحلة فرصة لتجديد الأمل وبناء واقع أكثر عدلاً وازدهاراً.
ومن جوانب إبداعه الأخرى اهتمامه بفن التخميس الشعري، حيث وضع تخميسات لقصائد عدد من الشعراء المعروفين، منهم بنجود وحمدي وشيخ رضا، مبرزاً قدرته على محاورة النصوص الشعرية وإعادة صياغتها في قالب فني جديد يجمع بين الأصالة والتجديد.
تأثر بي كه س بكبار شعراء الأدب الكردي والفارسي، فنهل من شعر نالي وفائي، كما تأثر بأعمال حافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي والفردوسي، الأمر الذي أكسب تجربته الشعرية عمقاً فنياً وثقافياً واضحاً. وقد استطاع أن يمزج بين هذه المؤثرات المختلفة ليصوغ شخصية شعرية مستقلة تميزت بصدق العاطفة وقوة التعبير والانحياز الدائم لقضايا الإنسان والوطن.
ظل الشاعر مخلصاً للكلمة حتى آخر سنوات حياته، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً يمثل جزءاً مهماً من الذاكرة الثقافية الكردية والعراقية. وفي الثالث من كانون الثاني/يناير عام 1976 رحل عن الدنيا، غير أن قصائده ومؤلفاته بقيت شاهدة على مسيرة شاعر عاش لوطنه، وحمل هموم شعبه في قلبه وقلمه، فاستحق أن يحتل مكانة بارزة بين أعلام الأدب الكردي الحديث.
ومن أشهر مؤلفاته: «شيرزاد وكول شاد» وهي ملحمة شعرية، و«رحلة الأسفار الخمسة» في التاريخ، و«خواطر وأماني الوطن الأم»، إضافة إلى «تخميس لأشعار» بنجود وحمدي وشيخ رضا، وهي أعمال تؤكد تنوع اهتماماته وثراء تجربته الفكرية والأدبية.