الباحث الحقوقي رنج باراوي
رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان العراق
لقد اعتدنا دائماً أن نقرأ التاريخ والسياسة من خلال الخرائط والحدود، وأن نظن أن كل ما هو بعيد عنا يظل غريباً وجاهلاً بنا. لكن ثمة حقيقة إنسانية بسيطة تتجاوز هذه الحواجز: الإنسان، أينما كان على هذه الأرض، يبحث دائماً عن المشتركات، عن السلام، وعن حياة أفضل. وعندما ننظر اليوم إلى أفق العلاقات بين إقليم كردستان ودول المغرب العربي (الجزائر، موريتانيا، ليبيا، تونس، والمملكة المغربية)، قد نرى على الخارطة مسافات شاسعة تفصل بيننا، ولكن إذا نظرنا بعين الإنسانية وبعين البصيرة الاقتصادية الاستراتيجية، سنكتشف حجماً هائلاً من الفرص الواعدة التي تجعلنا نكمّل بعضنا البعض.
إن كردستان ومنطقة المغرب العربي قادرتان على تقديم نموذج حي وراقٍ لما يعنيه مفهوم “دبلوماسية الشعوب”؛ حيث لا تقتصر العلاقات على البيانات الرسمية الجافة، بل تتحول إلى تبادل حقيقي للخبرات ولقصص النجاح اليومية.
خذ الجزائر على سبيل المثال؛ بلد شاسع، يمتلك طبيعة عذراء ساحرة وتنوعاً جغرافياً أخاذاً، لكن قطاعه السياحي لا يزال يفتقر إلى البنية التحتية والاستراتيجيات الواضحة لجذب السائح الأجنبي بالشكل الأمثل. هنا، ما الذي يمكن لإقليم كردستان أن يقدمه؟ على مدى العقدين الماضيين، ورغم كل التحديات والأزمات، نجح الإقليم في التحول إلى وجهة سياحية مزدهرة، وبنى بنية تحتية قوية ومنظومة فندقية متطورة. إذا نجحنا في مد جسر دبلوماسي واقتصادي حقيقي، يمكن للإقليم نقل هذه التجربة التنموية الرائدة إلى الجزائر. هذا الأمر لن يفتح الأبواب فقط أمام قطاعنا الخاص للاستثمار والعمل هناك، بل سيعرّف المواطن الجزائري على كردستان كوجهة جديدة وساحرة لقضاء عطلاته، مما يضخ دماءً جديدة في حركية أسواقنا المحلية.
ومن ناحية أخرى، عندما ننظر إلى جوهرة المنطقة، المملكة المغربية، يسلط الضوء على بعد آخر من هذه الدبلوماسية الذكية. فالمغرب، كدولة ضاربة في عمق التاريخ، يمتلك ميزتين استثنائيتين يمثلان حاجة ملحة لإقليم كردستان: الأولى، هي خبرتهم الهائلة في مجال الأمن الغذائي ونجاحهم غير المسبوق في قطاع الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية. والإقليم، الذي يسعى جاداً لتنويع اقتصاده بعيداً عن الريع النفطي والتوجه نحو الزراعة، يمكنه عبر هذا الجسر استيراد التكنولوجيا الزراعية المغربية، وأنظمة الري المتطورة، والاستفادة من تجربتهم في تحويل المواد الخام إلى صناعات تحويلية غذائية كبرى.
أما الجانب الثاني والمهم في المغرب، فهو قطاع الصناعات التقليدية والحرف اليدوية وصناعة النسيج والأزياء؛ حيث استطاعوا بعبقرية دمج هويتهم الثقافية بالتصاميم العالمية الحديثة. يمكن لإقليم كردستان هنا الاستفادة من هذه الثقافة التجارية وتطوير المصانع الصغيرة والمتوسطة، لتدريب شبابنا على مهارات جديدة تمكننا من تصدير منتجاتنا المحلية بمعايير دولية.
ومن هذه النقطة بالتحديد، تبرز الفرصة الأكبر لإقليم كردستان لغزو أسواق شمال أفريقيا بهويته وبصمته الخاصة. في المرحلة الأولى، لسنا بحاجة للتفكير في تصدير السلع الصناعية الثقيلة، بل يمكننا البدء من حيث تلتقي الثقافة والخصوصية التي تعشقها تلك الشعوب. يستطيع إقليم كردستان تحويل منتجاته المحلية الأصيلة مثل “الكلاش الهورامي” (الحذاء التراثي المصنوع يدوياً)، و”المنّ السماوي الطبيعي” (الكزو الكردستاني)، و”العلك المر الكردي” (البنشت)، إلى علامات تجارية وطنية مصممة بذكاء وتقديمها كعنوان للمنتج الكردي في تلك الأسواق. إن المواطن أو السائح في المغرب وتونس والجزائر، الشغوف دائماً بالمنتجات العضوية والمصنوعات اليدوية التي تحمل عبق الثقافات الأخرى، سيستقبل هذه السلع كقطع نادرة وهدايا قيمة، مما يدر دخلاً مهماً على أصحاب الحرف والمزارع المحلية لدينا، ويجعل اسم كردستان حاضراً في كل بيت من خلال طعم “المنّ” وعراقة “الكلاش”.
ولكي يكون هذا الجسر الاقتصادي متيناً ومستداماً، لا بد من فتح أبوابنا الداخلية أمام رؤوس أموالهم. من هنا، تبدأ خطوة استراتيجية بالغة الأهمية لقطاع الاستثمار في الإقليم: توجيه دعوات رسمية وجذب المستثمرين من دول المغرب العربي إلى كردستان. فالإقليم، بفضل قانونه المتقدم للاستثمار، وتوفير التسهيلات الضريبية والأراضي، فضلاً عن الأمن والاستقرار الفريد الذي ينعم به، يمكنه أن يشكل ملاذاً آمناً لرجال الأعمال في شمال أفريقيا. عندما يأتي المستثمرون من تونس والمغرب والجزائر ويصبحون شركاء في المشاريع العقارية الكبرى، والمنشآت السياحية، والمزارع الحديثة في كردستان، فلن يقتصر الأمر على جلب رؤوس أموال خارجية للسوق المحلية فحسب، بل سيخلق شبكة من المصالح الاستراتيجية العميقة بين وطننا ودولهم، مخرجاً البيئة التجارية لكردستان من دوائرها الإقليمية التقليدية المحصورة إلى فضاء عالمي أرحب.
[6/1/2026 11:28 AM] جواد كاظم: وهذه الحاجة المتبادلة تنعكس أيضاً في الفضاء الثقافي مع بقية دول المنطقة؛ فموريتانيا التي تُعرف بـ “بلد المليون شاعر”، تمتلك ثقافة أدبية عميقة تشبه إلى حد كبير روح الشعب الكردي الذي لطالما حفظ آلامه وأفراحه بين سطور القصائد. عندما تبدأ جامعاتنا وجامعاتهم في إطلاق أبحاث أدبية مشتركة وترجمة نتاجات الإبداع لدى الطرفين، لن نعود شعوباً غريبة عن بعضها، بل سنلتقي كأصدقاء عبر لغة الأدب، وهو خير تمهيد لأي تعاون اقتصادي أو سياسي مستقبلي.
وفي جانب آخر، انظروا إلى ليبيا؛ هذا البلد الذي يمر اليوم بمرحلة قاسية من الصراعات الداخلية والانقسام. والكرد يفهمون هذا الألم جيداً، لأنهم عاشوا تفاصيله في تاريخهم المعاصر. لقد استطاع إقليم كردستان، من قلب النيران، أن يبني مؤسسات مستقرة وتجربة حكم رشيد ونموذجاً يحتذى به في التعايش السلمي. إن نقل هذه التجربة الإدارية والمؤسساتية إلى إخوتنا في ليبيا هو واجب إنساني قبل أن يكون سياسياً، وهو ما يرسخ مكانة كردستان كمركز إيجابي وبنّاء في المنطقة.
ولعل البعد الأكثر ابتكاراً وعمقاً في هذه المنظومة يتجلى في معالجة قضية إنسانية واجتماعية حساسة مع تونس الخضراء. تعاني تونس اليوم من ضغط تدفقات الهجرة غير الشرعية من دول أفريقيا جنوب الصحراء؛ بشرٌ يدفعهم ضنك العيش للنزوح، ليتواجدوا في المدن التونسية بلا عمل أو هوية قانونية واضحة، مما يفرض أعباءً ديموغرافية واقتصادية كبيرة على البلاد. هنا، يمكن للدبلوماسية الاقتصادية والإنسانية أن تخلق معادلة مبتكرة تخرج منها كافة الأطراف رابحة.
يحتاج إقليم كردستان بشكل متزايد إلى أيدي عاملة في قطاعات حيوية كالزراعة، الإنشاءات، والصناعة. من خلال اتفاقية إطارية خاصة ومدروسة بين حكومة الإقليم وتونس، يمكن تنظيم وانتقال هذه القوة العاملة الأفريقية إلى كردستان بطريقة قانونية، رسمية، وتحفظ كرامتهم الإنسانية. بهذه الخطوة، تتخفف تونس من عبء ديموغرافي واقتصادي ضاغط، ويحصل المهاجرون على فرص عمل شريفة وآمنة.
لكن هذه المعادلة لا تقف عند هذا الحد، لأن الدبلوماسية الحقيقية تقوم دائماً على مبدأ “العطاء والأخذ المتبادل”. وتونس، تقديراً لهذه المساندة الكبيرة، يمكنها تقديم أثمن ما تملك: ثروتها البشرية المؤهلة، وخبراتها الأكاديمية، وثقافتها الإدارية والقانونية الرفيعة.
لطالما عُرفت تونس في العالم العربي والعالم كالمدرسة الرائدة في الحكم المدني، والمنظومة القانونية المتطورة، والتعليم ذي الجودة العالية. يمكن لإقليم كردستان استقطاب الكفاءات والتكنوقراط التونسيين من أطباء، وأساتذة جامعات، وخبراء في التطوير السياحي والإداري للعمل داخل مؤسساتنا. وبينما نساهم في تنظيم ملف العمالة البسيطة، نستورد في المقابل الفكر الإداري والأكاديمي المتطور لرفع كفاءة جامعاتنا ومستشفياتنا ومؤسساتنا. فضلاً عن أن تونس، بموقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأبيض المتوسط، يمكنها أن تشكل بوابة ملكية للمنتجين والتجار الكرد نحو أسواق شمال أفريقيا وأوروبا.
بمثل هذا الأسلوب، تتشكل موازنة إنسانية واقتصادية فريدة. ولكن، لكي تتحول هذه الرؤى والخطط من سطور على الورق إلى واقع حي وملموس، نحن بحاجة إلى أدوات مؤسسية فاعلة. إن تأسيس مراكز فكر وأبحاث استراتيجية مشتركة بين الجامعات لتقديم الدعم العلمي لصناع القرار، بالتوازي مع إنشاء “مجلس أو اتحاد دولي مشترك” يعمل كجسر إنساني، أكاديمي، ودبلوماسي لترسيخ قيم المواطنة، الديمقراطية، ودبلوماسية الشعوب؛ سيكون هو الركيزة الأساسية التي تحمي هذه الشراكة الواعدة من تقلبات الأمزجة السياسية العابرة وتضمن لها الديمومة والازدهار.
إن الدبلوماسية الحقيقية لا تُختزل في الجلوس وراء الطاولات المستديرة وتبادل البروتوكولات الرسمية الجافة؛ بل هي الفن الذي يجعلك تحول التحدي الذي يواجه الآخر إلى فرصة لك، وأن تجعل من نجاحك سنداً وعوناً له. جسور الشعوب لا تُبنى بالشعارات الفضفاضة، بل باكتشاف المشتركات الحية في تفاصيل الحياة اليومية. عندما نقدم خبرتنا السياحية للجزائر، ونستقطب تكنولوجيا الزراعة من المغرب، ونجعل من “الكلاش” و”المنّ السماوي” هويتنا التجارية، ونتبادل الشعر مع موريتانيا، ونمد يد التضامن لليبيا، ونرفع أعباء ملف الهجرة عن كاهل تونس؛ فإننا لا نحصّن اقتصادنا الوطني فحسب، بل نثبت للعالم أن كردستان تمتلك لغة عالمية عميقة: لغة الإنسانية، السلام، والتعايش المشترك بين الشعوب.