عطا شميراني
في زمنٍ أصبحت فيه الأصوات المرتفعة أكثر حضوراً من الأفكار العميقة، وفي مرحلةٍ تتسابق فيها المواقف الانفعالية مع الأحداث اليومية، تبرز شخصيات سياسية استطاعت أن تحافظ على هدوئها واتزانها، وأن تجعل من الحكمة منهجاً ومن الحوار أسلوباً. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم فاضل ميراني بوصفه أحد الوجوه السياسية الكردية التي ارتبطت لدى الكثيرين بصورة الرجل الذي يفضل العقل على الضجيج، والمنطق على الانفعال، والكلمة الهادئة على الشعارات الصاخبة.
السياسة ليست مجرد خطابات حماسية أو مواقف عابرة، بل هي فن إدارة الاختلافات وتحويل الأزمات إلى فرص. ولهذا السبب فإن التاريخ لا يتذكر دائماً أصحاب الأصوات المرتفعة، بل يتذكر أولئك الذين نجحوا في حماية مجتمعاتهم من الانقسام، وحافظوا على جسور الحوار حتى في أصعب الظروف. وفي هذا السياق، استطاع فاضل ميراني أن يقدم نموذجاً مختلفاً عن الصورة التقليدية للسياسي الذي يعيش على إثارة الجدل أو صناعة العناوين المثيرة.
على امتداد سنوات طويلة من العمل السياسي، شهدت الساحة الكردستانية والعراقية أحداثاً معقدة وتحولات كبيرة، وكان من الطبيعي أن تتباين الآراء والمواقف حول العديد من الملفات. لكن ما ميّز ميراني في نظر مؤيديه هو حرصه الدائم على تقديم قراءة هادئة للأحداث، بعيداً عن لغة التخوين أو التصعيد. فقد كان يؤمن بأن الخلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى عداوة، وأن الاختلاف في الرأي لا يلغي إمكانية التفاهم والتعاون من أجل المصلحة العامة.
لقد أثبتت التجارب السياسية في مختلف أنحاء العالم أن المجتمعات التي تُدار بالعقل والحوار تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات من تلك التي تنجرف وراء الانفعالات والشعارات. فالصوت المرتفع قد يجذب الانتباه لبعض الوقت، لكنه لا يصنع حلولاً دائمة. أما العقل الهادئ فيحتاج إلى وقت أطول ليُسمع، لكنه غالباً ما يكون الأقرب إلى بناء التوافقات وتحقيق الاستقرار. ومن هنا يمكن فهم المكانة التي اكتسبها فاضل ميراني لدى شريحة واسعة من المتابعين الذين رأوا فيه صوتاً يدعو إلى الحكمة في لحظات التوتر.
ولعل من أهم ما تحتاجه المجتمعات اليوم هو ثقافة الإصغاء. فالكثير من الأزمات تتفاقم لأن الجميع يريد أن يتحدث، بينما لا يريد أحد أن يستمع. والسياسي الناجح ليس من يكرر ما يريد جمهوره سماعه فقط، بل من يمتلك الشجاعة لقول ما يراه صحيحاً حتى عندما يكون ذلك صعباً أو غير شعبوي. وهذه إحدى الصفات التي ارتبطت بصورة ميراني في الحياة السياسية، حيث عُرف بطرحه الهادئ وابتعاده عن الانفعال، حتى عندما كانت الساحة تعج بالنقاشات الحادة والاتهامات المتبادلة.
إن قيمة العقل لا تظهر في أوقات الهدوء فقط، بل تتجلى أكثر في لحظات الأزمات. فعندما ترتفع الأصوات وتتسع الخلافات، يصبح الحفاظ على التوازن أمراً بالغ الصعوبة. وفي مثل هذه الظروف تبرز أهمية الشخصيات التي تستطيع النظر إلى الصورة الكاملة بدلاً من الانشغال بالتفاصيل الصغيرة أو ردود الأفعال اللحظية. ولذلك فإن الحديث عن انتصار العقل على الضجيج ليس مجرد وصف لشخصية سياسية، بل هو دعوة إلى نهج كامل في التفكير والعمل.
إن المجتمعات التي تكرم العقلاء وتحترم أصحاب الخبرة تكون أكثر قدرة على حماية مستقبلها. فالتقدم لا يتحقق بالصراخ، والوحدة لا تُبنى بالمزايدات، والاستقرار لا ينتج عن الانفعالات العابرة. بل إن كل إنجاز حقيقي يبدأ بفكرة متزنة، ورؤية واضحة، وإرادة تسعى إلى جمع الناس لا إلى تفريقهم.
قد يختلف الناس حول المواقف السياسية أو حول تقييم الشخصيات العامة، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الحاجة إلى الحكمة تزداد كلما ازدادت التحديات. واليوم، وفي عالم يمتلئ بالاستقطاب والصخب الإعلامي، تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى أصوات تدعو إلى الحوار والعقلانية والتفاهم.
في عالمٍ يزداد انقساماً يوماً بعد آخر، تصبح الحاجة إلى رجال الحوار أكبر من أي وقت مضى. رجالٍ يؤمنون بأن الاختلاف لا يفسد الانتماء، وأن السياسة ليست معركة لكسر الخصوم، بل وسيلة لبناء التفاهم وحماية المصالح العامة. ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون في فاضل ميراني نموذجاً للسياسي الذي اختار طريق العقل حين اختار آخرون طريق الضجيج، وآثر الحكمة حين انجرف غيره خلف الانفعال.
لذلك لم يكن حضوره مرتبطاً بارتفاع صوته، بل بعمق فكرته، ولم تكن قوته في إثارة الجدل، بل في قدرته على قراءة المشهد بعين التجربة والخبرة. وهكذا يبقى فاضل ميراني، في نظر محبيه، واحداً من الأصوات التي أثبتت أن العقل قد يتأخر أحياناً في الوصول إلى الناس، لكنه في النهاية هو الذي ينتصر.
وعندما يهدأ ضجيج اللحظة، وتغادر الشعارات منصاتها، لا يبقى في ذاكرة الشعوب سوى أصحاب الأثر. فالكلمات التي تُقال بعقلٍ وحكمة تعيش أطول من الهتافات العابرة، والمواقف التي تُبنى على رؤية ومسؤولية تبقى شاهدة على أصحابها مهما تبدلت الأزمنة. ولهذا يبقى فاضل ميراني، بالنسبة لكثيرين، عنواناً لفكرةٍ بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أن الأوطان تحتاج إلى العقل أكثر مما تحتاج إلى الضجيج، وأن الحوار يبقى دائماً الطريق الأقصر نحو الاستقرار والتقدم.