(النظام السياسي في العراق بعد عام 2003).

د. كريم نوري عبد الله الدليمي .

شهد النظام السياسي في العراق العديد من التقلبات من حيث نظام الحكم، اذ شكل عام 2003 ، نقطة تحول تاريخية في العراق ، حيث انتهى النظام السياسي في العراق بتدخل القوات الامريكية عن طريق التدخل العسكري ، وبأمر مباشر من رئيس الولايات المتحدة الامريكية ( جورج بوش)، (George W.Bush )، لتبدأ مرحلة جديدة اتسمت بتغييرات سياسية ودستورية كبيرة ، اذ لم يكن التغيير مجرد انتقال للسلطة بل كان تحولا كاملا في طبيعة وهيكلية النظام السياسي والدولة والمجتمع في العراق ، اذ انتقل العراق من نظام رئاسي مركزي ذو حزب واحد الى نظام ( رئاسي ديمقراطي ، برلماني )، متعدد الأحزاب قائم على التعددية السياسية والحزبية في الانتخابات.
وعلى الرغم من الانعطافات الكبرى التي حصلت بعد تغير النظام السياسي في العراق ، الا أن تغيير النظام السياسي في العراق بعد 2003 ، من قبل القوات الامريكية ، قلب النظام والسلطات في العراق رأس على عقب ، بحيث لم تعمل قوات الاحتلال الأمريكي على ادخال التطوير على النظام الموجود أو إضافة جديدة على ذلك النظام بل على العكس قاموا بجريمة كبرى بحق هيكل ونظام الدولة العراقية ، الا وهي حل الدولة العراقية بكامل مؤسساتها من نوع النظام إلى قوات الامن الداخلي من ، امن ، وشرطة ، وجيش ، وحتى الموظفين العموميين.
وبهذه الخطوات التي أقدمت عليها سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة (بول بريمر)، (Paul Bremer)، ارجعت العراق والشعب العراقي الى ما قبل نظريات العقد الاجتماعي في أسس (شؤون الدولة)، لأن في تلك الفترة أصبح لدى الناس ضرورة البحث على من ينظم حياتهم وكيفية ادارتها عن طريق الدولة والحاكم لذا وجدوا نظام التعاقد مع الحاكم.
اما نحن في ما بعد عام 2003، رجعنا وكأنه نظام يسير وفق الفطرة بلا حاكم ولا سلطات ولا نظام ، بسبب الهمجية والتدخلات الامريكية في أسلوب الاستيطان في مراحله الأولى الذي جاء به بعد اكتشافهم الامريكيتين واستيطانهم فيها عام (1776).
وبهذا وخلال الأشهر الأولى بعد سقوط النظام السياسي في العراق دخل العراق في حالة من الفراغ القانوني والسياسي والأمني، وظلت الأوضاع على ما هيه عليه من الفوضى الى ان اصدر الحاكم المدني والمدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقت (بول بريمر)، قرار رقم (6)، في 13 تموز 2003، بتأسيس مجلس الحكم الانتقالي والذي يتكون من (25)، عضوا ومن هنا بدأت اللبنة الأولى وبدايت نوات لنظام سياسي جديد في العراق ، حيث بعد ولادة مجلس الحكم اصبح العراق في دوامة من الصراعات لأن مجلس الحكم بني على تقسيم (طائفي مكوناتي )، وليس على أساس الكفاءات والقدرة ، وطوال (23)، عاما من عمر ولادة النظام الديمقراطي والنظام السياسي القائم على المحاصصة ( القومية ، والدينية ، والطائفية )، والصراع الطائفي قائما باتجاهات مختلفة أن كان على مستوى الشعب او عن طريق القتال والحروب الاهلية او على المستوى السياسي نحوا تقاسم مغانم السلطة والحكم بل وحتى على مستوى الرئاسات الثلاثة اوجد التقسيم بحيث ان ( رئيس الجمهورية من مكون – ورئيس الوزراء من مكون اخر- ورئيس البرلمان من مكون اخر)، وهذا بحد ذاته أدى الى ان يشغل المكان المناسب الشخص غير المناسب بسبب المحاصصة المغيثة .
فان نفق الطائفية نفق مظلم ليس من السهل التخلص منه ، لأنه هناك دائما من يعتاش على التقسيم وايرادات المصالح الضيقة ، وفق المبدأ والشعار الذي اطلقوا البريطانيون بدخولها العراق واحتلال بغداد عام (1917)، هو مبدأ ( فرق تسد ).
لذا فان النظام السياسي في العراق كان وما يزال يتأثر بعوامل داخلية وخارجية ، مما جعلت نظام الحكم غير مستقر خاضع لأهواء الأجنبي ، وان ما مر به العراق من استعمارات كان اكثرهم تخلفا غزو (هولاكو )، الذي كان من الغزوات الهمجية ومنهم من قسم العراق الى ولايات مثل السيطرة العثمانية على العراق ، ومنهم من ركز على نوعية الحكم التي تخدم مصالحه وان الغزو الأخير هو الغزو الأمريكي الذي قسم العراق على أساس ( طائفي ، وقومي ، ومكونات )، لكي يبقى هو يتقلب في اسناد طائفة دون أخرى حتى تستنجد به الطوائف الأخرى ، ليكون بيد المستعمر الأمريكي ورقة الغبان والميزان، في الحقيقة أن التقسيم اكثر ما يخدم المستعمر الأجنبي وليس أبناء الوطن لأن هناك حجة بيده من اجل التدخل في حماية الطائفة المعينة من الطوائف الأخرى ، وهذا ما أسس له الاحتلال الأمريكي خلال فترة (23 عاما)، من مسيرة النظام السياسي في العراق ، وقد عمدت الولايات المتحدة الامريكية الى بناء نظام سياسي بعد عام 2003 ، نظاما هشا للغاية ولم يبنا على أسس قانونية صلبة ومتينة ، بل على أساس (عرقي ، وقومي ، ومكوناتي )، بنفس النظام الذي هو زرع في جسد دولة ( لبنان) ، العزيزة ، اذ ان النظام في لبنان مقسم على أساس كل طائفة لديها نصيب من الحكومة بل لديها مغنم من الحكومة وليس على أساس من هو الاجدر والأكفء في شغل المكان ، على انها عملت نظاما ديمقراطيا صوريا وليس الديمقراطية الحقيقية في اختيار الشعب من ينوب عنه في الحكم .
وبهذا لم تبنى على أسس متينة وقد بنيت وفق العرف ( رئيس الجمهورية كردي ، ورئيس الوزراء عربي شيعي ، ورئيس البرلمان عربي سني )، وما هذا قانون ديمقراطي اكثر منه عرفي مقيت يجمد الطاقات مع العقول ويحددها النظام الديمقراطي قائم على التعددية الحزبية والتداول ( السلمي للسلطة )، وان حقيقة الامر في العراق لا يوجد تداول للسلطات، نعم هناك انتخابات ولكنها مفرغة من محتواها ، وذلك بسبب انه تتحكم في تقسيم السلطة (العرف ، والمحاصصة ، والمال السياسي )، وعند العودة الى التعددية الحزبية وهي أساس من أسس الديمقراطية ، يوجد في العراق حاليا (349) ، حزبا سياسيا مسجلا رسميا ، شاركوا في الانتخابات ( 11 / 11 / 2025 ) ، المشكلة ليس في عدد الأحزاب السياسية فقط ، والتي عددها يفوق كل من أمريكا وبريطانيا اللتان كل منها لدية حزبان فقط يتنافسان على السلطة ، بينما المشكلة الأخرى ان الأحزاب في العراق ليس هناك قانون ينظم عملها ، وهيكليتها ، وعمل جماهيرها ، وتمويها ، فأي حكومة تنبثق من أحزاب غير منظمة ، وهذا فعلا ما حصل في العراق بعد 2003 ، الحكومات كلها تخرق القوانين قلما تعمل بقانون وتلتزم به لا اقصد هنا القانون الجنائي بل القانون الدستوري الذي ينظم عمل الحكومات ، اذ ان المشكلة الأهم في إدارة الحكومات المتعاقبة هي ليس من همها هو خدمة المواطن والشعب ، كما هي مكلفة بواجبها وانما همها الوحيد إرضاء الحزب او الكتلة التي عملت على دعمها في التشكيل والتي تنتمي لها تلك الحكومة ، وهذا ما جعل من الحكومات العراقية وخصوصا بعد عام 2003، تفكر في بقائها في السلطة عن طريق حزبها وكتلتها ، لذا نرى اغلب هذه الحكومات التي تتشكل كل اربع سنوات هدفها الرئيسي هي خدمة الكتلة التي تنتمي لها اكثر من تقديم الخدمات العامة كما هو واجب ومفروض عليها تقديمه لعامة الشعب ، بل على فئة معينة من مناصريها واسترضائها وتسخير إمكانيات الدولة العراقية من اجلهم ( وهذا ما لحضنه في الانتخابات الأخيرة لعام 2025 ، بالعين المجردة ولمسنه في أيدينا )، حتى أصبحت هذه الفئة هم ينظرون لأنفسهم فوق القانون.
والا كيف يمكنك تفسير هذا الكم الهائل من الفساد في الاتجاهات والمؤسسات المختلفة للدولة وفي اغلب مفاصل الدولة ، اذ ان العديد من المسؤولين يتحدثون عن حجم الفساد وحقيقة المليارات التي هي من حق الشعب المظلوم وليس من حقهم ، لذا نرى ان الحكومة قد نست واجبها هو النزاهة في إدارة الحكم والعدالة ومحاسبة من عمد على سرقة المال العام في الدولة العراقية ، كما نرى بدورنا مراقبين للوضع العام ان الحكومة اهملت دورها في محاسبة الفاسدين والمفسدين وذلك إرضاء الأحزابهم وكتلهم الحزبية.
كما يرى صاحب المقال: انه يجب على دائرة تنظيم الأحزاب وكذلك على من شرع وصوت على الدستور العراقي وعلى القضاء الأعلى الذي لا نشك قطعا في نزاهته أن يقفوا موقفا واحدا مع الشعب ومع مستقبل الأجيال وقد مرة على تغيير النظام السياسي (23 عام )، وان ينظروا في ضرورة تنظيم عمل الأحزاب السياسية من اجل انقاذ الأجيال القادمة عن طريق تحجيم هذه الأحزاب ودمجها في أحزاب محددة سواء وافقت ام لم توافق في ان تندمج ليكون تنظيم لهذه الأحزاب وتحديدها في (4)، أحزاب في العراق من شماله الى جنوبه بأن تنظم جميع (الأحزاب الشيعية تحت حزب واحد ، وأن تنظم جميع الأحزاب السنية تحت حزب واحد ، وأن تنظم جميع الأحزاب الكردية تحت حزب واحد ، وان تكون جميع أحزاب إخواننا الأقليات تحت حزب واحد.
وبهذا نرى اننا قد وافقنا بين المحاصصة من المكونات والطوائف والقوميات والأقليات التي يتكون منها شعبنا العزيز.
وختاما يمكن القول: بأن النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 ، يمثل تجربة انتقالية معقدة جمعت بين الامل في بناء دولة ديمقراطية حديثة وبين التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي واجهت البلاد ، ورغم الصعوبات فأن مستقبل العراق يبقى مرتبطا بقدرة ابناءه ومؤسساته على بناء نظام سياسي اكثر عدالة واستقرار يحقق تطلعات الشعب العراقي في ( الامن ، والتنمية والعيش الكريم والعزيز للمواطن العراقي ).

قد يعجبك ايضا