نبيل عبد الأمير الربيعي
منذ عام 2003، والعراق يعيش داخل مشهد متكرر، كأنّ الزمن السياسي توقف عند لحظة واحدة، وأُعيد عرضها آلاف المرات بأسماء مختلفة ووجوه متبدلة.
فالأشخاص يتغيرون، لكن الأدوار تبقى ذاتها، والخطابات تتبدل لغوياً، لكنها تحمل المعاني القديمة نفسها، فيما يبقى المواطن العراقي شاهداً متعباً على مسرح طويل لم تنته فصوله بعد.
إنه المشهد ذاته… نفس الجماعة السياسية، ونفس النجوم والكومبارس والممثلين الثانويين، يدخلون إلى خشبة السلطة من أبواب الأحزاب والطوائف والتحالفات، ثم يخرجون منها ليعودوا لاحقاً بأقنعة جديدة ومسميات مختلفة، بينما النص نفسه لا يتغير.
السيناريو محفوظ بعناية منذ السنوات الأولى للفوضى: محاصصة، تقاسم نفوذ، توزيع مناصب، صفقات خلف الأبواب، وخطابات وطنية تلقى أمام الكاميرات فقط.
لقد تحوّلت الدولة العراقية بعد عام 2003 إلى ما يشبه الاستوديو الكبير، تدار فيه البلاد بعقلية ((إدارة المشهد)) لا بعقلية بناء الدولة.
فالوزارات لم تعد مؤسسات خدمية بقدر ما أصبحت إقطاعيات حزبية، لكل حزب وزارته، ولكل كتلة جمهورها الوظيفي، ولكل مسؤول حاشيته الخاصة التي تدور حوله كما تدور الكواكب حول مركز القوة.
في وزارة الثقافة، آلاف الموظفين والموازنات السنوية، لكن النتاج الثقافي الحقيقي يكاد يكون غائباً.
مهرجانات للاستهلاك الإعلامي، احتفالات شكلية، وبيانات إنشائية لا تصنع وعياً ولا تبني مشروعاً ثقافياً وطنياً.
وكأن الثقافة تحولت إلى ديكور رسمي يستخدم في المناسبات فقط، بينما يترك المثقف الحقيقي وحيداً يواجه الفقر والتهميش والنسيان.
وفي وزارة التربية، تستمر المناهج بالتغير وفق المزاج السياسي لا وفق حاجة المجتمع.
مدارس متهالكة، اكتظاظ، أبنية طينية، وطلبة يحملون أحلامهم فوق طرق موحلة، فيما تتكدس التصريحات الرسمية عن ((النهوض بالتعليم)) داخل نشرات الأخبار.
لقد صار التعليم في العراق أشبه بذاكرة مرهقة، تتآكل كل عام، بينما المسؤولون يتحدثون عن التطوير وهم عاجزون عن توفير مقعد دراسي كريم لطفل في قرية نائية.
أما وزارة الصحة، فقد أصبحت مرآة موجعة لخيبة الإنسان العراقي.
مستشفيات مزدحمة، نقص في الخدمات، أجهزة معطلة، وأطباء يهاجرون بصمت، بينما المواطن الفقير يقف ساعات طويلة بانتظار علاج قد لا يأتي.
وفي المقابل، تستمر التصريحات الرسمية عن ((تطوير القطاع الصحي))، وكأن الألم الحقيقي لا يرى من خلف المكاتب المكيفة.
وفي الكهرباء… تلك الحكاية العراقية الأبدية، تحولت الوزارة إلى رمز للعجز المزمن.
مليارات الدولارات أُنفقت، ومشاريع لا تحصى أُعلنت، لكن الظلام ما يزال شريك العراقي في صيفه الطويل.
كل وزير يأتي بخطة ((إنقاذ))، ثم يرحل تاركاً خلفه الخيبة ذاتها، وكأن الكهرباء في العراق ليست خدمة بل لغز سياسي معقد يراد له ألا يحل.
أما وزارة النفط، فهي قصة بلد يطفو فوق بحر من الثروة ويغرق في الفقر.
نفط يصدر بالملايين، وأموال تتدفق منذ سنوات، لكن المدن ما تزال عطشى، والشوارع محطمة، والبطالة تلتهم الشباب.
وكأنّ الثروة العراقية تسير في طرق بعيدة عن المواطن، لا تصل إليه إلا على هيئة وعود موسمية أو إعانات مؤقتة.
وفي مؤسسات البلديات والإعمار، تبدو المدن العراقية وكأنها مشاريع مؤجلة منذ عقود.
شوارع محفرة، مجارٍ طافحة، أرصفة مكسورة، ومدن تختنق بالفوضى البصرية والإهمال.
كل مشروع يفتتح باحتفال رسمي وعدسات إعلامية، لكنه غالباً ما يتحول بعد أشهر إلى هيكل ناقص أو ملف فساد جديد.
أما المؤسسات الرقابية، التي كان يفترض أن تكون عين الدولة على الفساد، فقد وجدت نفسها محاصرة بالتوازنات السياسية والضغوط الحزبية.
فتحولت ملفات الفساد الكبرى إلى أخبار عابرة، فيما بقيت الأسئلة الثقيلة بلا أجوبة حقيقية: أين ذهبت الأموال ومن سرق أحلام العراقيين؟ ولماذا لا يحاسب أحد؟
لقد أصبح الموظف العراقي البسيط ضحية نظام إداري مرتبك، تتداخل فيه الولاءات الحزبية مع البيروقراطية القاتلة.
فالكفاءة لم تعد دائماً معياراً للتقدم، بل غالباً ما يتقدم النفوذ على الخبرة، والانتماء على الاستحقاق، والعلاقات على النزاهة.
حتى الفن، الذي كان يوماً ضمير الشعوب، لم ينج من هذا الخراب.
فالفنان العراقي اليوم يعيش بين مطرقة الحاجة وسندان التهميش.
أغنيات بلا روح، مسلسلات مستنسخة، وبرامج سطحية تنتج على عجل لإرضاء السوق السياسي أو الإعلامي.
لقد ضاع الفن بين مسؤول يبحث عن ((الشو الإعلامي))، وفنان ينتظر دوراً هامشياً أو دعماً مؤقتاً كي يبقى حاضراً في المشهد.
والأدب أيضاً أصابه ما أصاب البلاد.
قصائد كثيرة بلا موقف، ونصوص تكتب للمجاملة أكثر مما تكتب للحقيقة.
حتى اللغة أرهقها التكرار، وصارت الكلمات تدور في الفراغ ذاته:
إصلاح، تطوير، إنجاز، نهضة… بينما الواقع يزداد تعباً عاماً بعد آخر.
إنّ أخطر ما حدث بعد 2003 ليس فقط تراجع الخدمات أو تفشي الفساد، بل تحول المواطن نفسه إلى كائن فاقد للثقة.
لم يعد يصدق الخطابات، ولا الوعود، ولا المؤتمرات الصحفية.
لقد شاهد العراقي كثيراً من المسرحيات السياسية حتى أصبح يعرف النهاية قبل بداية العرض.
وهكذا يستمر الفيلم العراقي الطويل…
نفس المشهد، ونفس الحبكة، ونفس الممثلين الذين يتبدلون شكلياً فقط، بينما يبقى النص ثابتاً لا يتغير.
دراما نصف مكتملة، وسينما بلا شباك تذاكر، ومسرح بلا جمهور، وقصيدة بلا قافية، وأغنية بلا لحن.
ويبقى السؤال الأبدي معلقاً في ذاكرة العراقيين:
كيف لبلد يمتلك هذا التاريخ، وهذه الثروات، وهذا العدد الهائل من الطاقات البشرية، أن يبقى عاجزاً عن بناء دولة تشبه أحلام أبنائه؟
العراق اليوم لا يحتاج إلى تبديل الوجوه فقط، بل يحتاج إلى إعادة كتابة النص بأكمله.
يحتاج إلى مسؤول يرى في المنصب تكليفاً لا غنيمة، وفي الدولة مشروع حياة لا ساحة نفوذ.
ويحتاج قبل كل شيء إلى استعادة الإنسان العراقي، ذلك الإنسان الذي أنهكته الحروب والخيبات والوعود المؤجلة.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى المواطن العراقي جالساً في آخر القاعة، يشاهد العرض ذاته، بنسخ مختلفة، ونهايات مؤجلة، وأسئلة ما تزال تبحث عن جواب.