الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
تكتسب الزيارة الحالیة لرئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، إلى العاصمة الاتحادية بغداد أبعاداً إستراتيجية تتجاوز السياقات الشکلیة والروتینیة المعتادة، لتتموضع كمنعطف حاسم في هندسة العلاقات الاتحادية الإقليمية، بالتزامن مع بدء التشكيلة الحكومية الجديدة لمهامها.
وتأتي هذه اللقاءات المكثفة والموسعة مع قادة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بالإضافة إلى زعماء القوى السياسية الفاعلة وصناع القرار، في توقيت سياسي بالغ الحساسية، حيث يرتكز نهج رئيس حكومة الإقليم على تقديم رؤية واقعية متوازنة تنظر إلى التغيير الحكومي الجديد في بغداد كفرصة جوهرية لتصحيح مسار العملية السياسية، وإعادة بناء الثقة بين المركز والإقليم على أسس بنيوية متينة، واصفاً أجواء المباحثات بالبشرى السارة والمؤشر الواعد للإسراع في استكمال ملامح هذه المرحلة الجديدة من نظام الحكم.
من منظور الفكر السياسي، لا تدار العلاقات الدبلوماسية بين الحكومات الإقليمية والاتحادية كقنوات اتصال إدارية جامدة، بل كعملية “مأسسة تفاوضية” ترتكز على القوة الناعمة والشرعية الدستورية والالتزام المتبادل.
ويظهر نهج مسرور بارزاني في بناء هذه العلاقات كنموذج تطبيقي لـ “الدبلوماسية الإستراتيجية الهادئة” التي تدمج بين الثبات على المبادئ المرتبطة بالحقوق، والمرونة التكتيكية في فتح قنوات الحوار؛ إذ يعكس هذا التحرك التزاماً كوردستانياً راسخاً بالخيار الدستوري كمرجعية وحيدة لحسم الملفات العالقة التي طالما أرقت الحكومات المتعاقبة. وتنطلق فلسفة هذا التحرك من مبدأ التلازم المصيري بين أمن وازدهار المركز والإقليم، فالأزمات السياسية في النظم الفيدرالية لا تقبل التجزئة، وما يصيب إقليم كوردستان يصيب باقي العراق، وما يصيب عموم البلاد ينعكس حتماً على الإقليم، وهي مقاربة عقلانية تسعى لنقل العلاقة من معادلة الصراع الصفري إلى أفق المصالح المتبادلة.
وفي إطار تفكيك الأهداف الإستراتيجية لرئيس حكومة الإقليم، يتضح أن الكابينة الوزارية التاسعة حققت نجاحات ملموسة في وضع الإدارة الناجحة والمستدامة للعلاقات مع بغداد في مقدمة أولوياتها، مستندة إلى ثلاثة أسس رئيسية: الدستور، الاتفاقيات السياسية المبرمة، والمبادئ التأسيسية التي قام عليها العراق الجديد والمتمثلة في الشراكة الحقيقية، التوازن، والتوافق.
ورغم أن التجارب السابقة مع الحكومات الاتحادية المتعاقبة لم تكن فيها تلك الخطوات الدستورية بالمستوى المطلوب، وشهدت نوعاً من التجاهل والتهميش للمبادرات الحوارية، فإن المقاربة الحالية التي يقودها رئيس الحكومة من خلال هذا الحراك الدبلوماسي المتزن تسعى لتجاوز إرث الإخفاقات السابقة، واستثمار المناخ السياسي الحالي لترسيخ نهج خدمي وتشريعي عادل يعامل المكونات والمواطنين كافة على أسس من المساواة، وصيانة الكيان الدستوري للإقليم ككيان قانوني وسياسي ثابت لا يقبل المساس.
تتجلى حكمة قيادة رئيس حكومة الإقليم في تغليب لغة العمل المؤسساتي والمسؤولية الوطنية الفاعلة، وقدرته على تحويل هذه اللقاءات إلى منصة حوارية بناءة لإعادة صياغة العقد السياسي الوطني، مبرهناً على نجاح الدبلوماسية الكوردستانية في الوصول إلى تفاهمات رصينة وعادلة تناسب الجميع دون استعراض أو مبالغة.
وكما أكد رئيس الحكومة في رؤيته المنشورة بالتزامن مع حراكه الدبلوماسي، فإن دعائم الحلول الدائمة والمستدامة للمستحقات المالية والملفات الخلافية لا يمكن أن تُرسى من خلال سياسات الأمر الواقع، بل عبر الالتزام الفعلي بمبادئ الحوار والشراكة الوطنية واحترام الدستور العراقي بما يضمن الحقوق والمستحقات الدستورية لشعب كوردستان وسائر المكونات.
وفي نهاية المطاف، تمثل هذه الزيارة الحاسمة قوة دفع إيجابية واختباراً حقيقياً لقدرة النخبة السياسية في بغداد على استيعاب هذا النهج القيادي المسؤول، والانتقال بالدولة من عقلية إدارة الأزمات والمماطلة إلى أفق الاستقرار السياسي المستدام والتطبيق الكامل للفيدرالية كنظام حكم عادل.