ضَنك الروح

سمير ميراني

في أعماقك شيءٌ يعرف، يعرف حين تكذب ويعرف حين تنحني، ويعرف حين تسمي الخسارة حكمةً والسقوط نضجاً ، ذلك الشيء هو جوهرك، أودعه الله فيك عندما رفعك من بين خلقه وجعل لوجودك معنىً فريداً، كنت تحسه عندما أبت روحك أن تنحني لما يُذلها، وحين آثرت الحق على المنفعة دون أن يأمرك أحد، وتلك هي الأمانة الثقيلة .
ثم جاءت الحياة بثقلها وجاء معها الاختيار، في الضيق حين جعت عرض عليك الشر خبزك بثمن جوهرك، وفي السعة حين شبعت نسيت أنك كنت يوماً أكثر من هذا، وتنازلت عن جوهرك خطوةً خطوة، وفي كل خطوةٍ كنت تعرف واخترت أن تنسى ماتعرف.
الجوهر يُهدى، وحين أهديت جوهرك وجدت روحك أمام فراغٍ لا تحتمله، فامتدت يدها إلى ماهو متاح ،وما هو متاح في عالمٍ يحتكر فيه الفاسدون أدوات الحياة هو الشر ومصادره، فدخل الشر ملء الفراغ، خطوةً خطوة كما خرج الجوهر، حتى صار مألوفاً ثم مقبولاً ثم هوية.
وعندما اصبح الشر هويتك ملأ مكان جوهرك حقدٌ دفين على من يحمله، وحسدٌ يأكلك من الداخل، وغيرةٌ تتنكر في ثوب العداوة، وحين ترى في غيرك ما أضعت في نفسك، تختار إطفاء النور في الآخر، وهكذا يسكن الضنك روحك، تملك وتشقى، وتأخذ وتجوع ، وتضحك وفي داخلك شيءٌ يبكي( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) .
وثمة من وقف أمام ما وقفت أمامه وأبى، صوتٌ في أعماقه عرف أن هذه الأمانة أثمن من كل شيء، فحمل جوهره في الضيق ولم يبعه، وحمله في السعة ولم ينسه، يمشي بخطىً أثقل، وروحه مطمئنة وصدره خالٍ من الحقد، وسعادة غيره تسعده، وحين تراه تجد في عينيه ما نسيت أنك تعرفه، وتحس بحنينٍ عميق إلى نفسك التي كانت.
في أعماقك شيءٌ يعرف، كان يعرف دائماً وعندما تنظر في المرآة وتجد عينيك غريباً ،ذلك الشيء لا يزال يعرف، يعرف ما أهديت ويعرف ما خسرت، ويعرف أنك تعرف ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ).

قد يعجبك ايضا