سرحــــــــــــــــــــــــان محمد علي الكاكئــــــــــــــــــي
ابو أحمد. رجل صامت. يكره التكنولوجيا بنوع من العناد الغريب. يجلس كل مسآء في زاوية شقته القديمة وأمامه فنجان قهوة مرة كاد يبرد تماماً من كثرة النسيان. الغرفة ليس فيها شيء باهظ مجرد مذياع خشبي عتيق وساعات حائط خربانة معلقة على الجدران الباهتة مثل جثث الوقت.الناس في الخارج يمرون من تحت نافذته وعيونهم معلقة في شاشات هواتفهم الباردة يمشون كأنهم بلا أرواح وهو يراقبهم من وراء الزجاج ويتحسر على زمن مضى.قبل أيام دخل عليه حفيد الصغير الشاب ماسكاً هاتفاً كبيراً يلمع في العتمة ويضحك بصوت عالٍ قال له يا جدي ارمِ هذه الساعات الخردة الحين في تطبيق بالهاتف يضبط لك الوقت والمنبه وساعاتك هذه ما تسوى شيء في عصرنا الحالي.أبو أحمد لم يغضب ولم يصرخ بل أخذ رشفة من قهوته الباردة ونظر إلى الشاب ببرود ونفث دخان سيجارته الرخيصة ثم أشار بيده المرتجفة إلى ساعة خشبية قديمة متوقفة عقاربها الحديدية عند الرابعة وثلث تماماً.قال له بصوت مبحوح وجاف طالع هذه الساعة يا بني هذه وقفت في اللحظة التي ماتت فيها جدتك قبل عشر سنوات الهاتف مالك هذا الغبي الحداثي يصحيك الصبح نعم بس يقدر يوقف الوقت عشان يخليك تبكي وتتذكر ملامح الراحلين؟الشاب سكت فوراً واختفت الضحكة الباهتة من وجهه كأنه استوعب فجأة أن هذه الساعات المعلقة ليست خردة بل صناديق ذكريات مقفلة بالوجع.مسح الشاب على كتف جده واعتذر منه بكلمات مخنوقة ثم مشى وهو يضع هاتفه في جيبه ولأول مرة منذ سنوات مشى في الشارع وهو ينظر إلى وجوه الناس وإلى السماء المظلمة أما أبو أحمد فظل في مكانه يرتشف القهوة الباردة ويدندن مع صوت المذياع العتيق أغنية قديمة لم يعد أحد يسمعها.