في حضرة بارزاني.. 64 عاماً هزم فيها النضالُ الطغيان

أحمد زبير باني

في تاريخ الشعوب رجالٌ يمرّون كأسماءٍ عابرة في ذاكرة الزمن، وهناك رجالٌ يتحولون إلى مراحل كاملة من تاريخ أممهم؛ يُختصر في حضورهم وجعُ شعب، وكرامةُ وطن، وإرادةُ أمةٍ رفضت أن تنحني. ومن بين هؤلاء، يقف الرئيس مسعود بارزاني بوصفه أحد أبرز الرموز الذين لم تصنعهم السلطة، بل صنعتهم الجبال، والمعارك، والتضحيات، وسنوات النضال الطويلة.

أربعةٌ وستون عاماً من الكفاح ليست رقماً يُضاف إلى سيرة رجل، بل هي زمنٌ كامل من المواجهة بين إرادة البقاء ومحاولات الإلغاء. إنها ملحمة شعبٍ عاش عقوداً تحت وطأة الحروب والقهر والخذلان، لكنه لم يفقد إيمانه بحقه في الحياة والحرية والكرامة. ومن قلب تلك العواصف، وُلدت شخصية بارزاني السياسية والنضالية؛ لا باعتباره قائداً عادياً، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لذاكرة كوردستان الجريحة وصوتها الذي لم يصمت.

حين حمل السلاح شاباً بين قمم كوردستان، لم يكن يقاتل من أجل حدودٍ ضيقة أو مكاسب آنية، بل كان يدافع عن معنى الوجود نفسه. لقد أدرك منذ البدايات أن القضية الكوردية ليست صراعاً سياسياً فحسب، بل معركة هوية وكرامة وتاريخ. ولهذا تحوّل مفهوم “البيشمركه” على يديه من مجرد مقاومةٍ مسلحة إلى فلسفةٍ متكاملة تؤمن بأن الشعوب التي لا تدافع عن لغتها وثقافتها وحقها في الحياة، محكومٌ عليها بالذوبان في ظلال الطغيان.

لقد عرف هذا القائد قسوة الجبال كما عرف قسوة السياسة، وشهد الخيانات كما شهد البطولات، وعاش سنواتٍ كانت فيها كوردستان محاصرةً بين نار الحروب ومصالح القوى الكبرى. ومع ذلك، لم ينكسر. كان يدرك أن القائد الحقيقي لا يُقاس بحجم الانتصارات السريعة، بل بقدرته على حماية حلم شعبه من السقوط في أكثر اللحظات ظلمةً وقسوة.

وفي زمنٍ كانت فيه المنطقة تتهاوى تحت ثقل الصراعات والانقسامات، بقي بارزاني ممسكاً بخيط القضية الكوردية، حاملاً إرثاً ثقيلاً من التضحيات، ومؤمناً بأن الأمم لا تبقى حيّة إلا حين تتمسك بكرامتها. لذلك لم يسمح لرياح السياسة أن تقتلع الثوابت القومية، ولم يجعل من السلطة غاية، بل اعتبرها مسؤوليةً تاريخية لحماية مستقبل شعبه.

إن عظمة الرئيس مسعود بارزاني لا تكمن فقط في حضوره السياسي، بل في رمزيته الإنسانية والقومية. لقد استطاع أن يحوّل الألم الكوردي إلى وعي، وأن يجعل من ذاكرة الشهداء جسراً تعبر عليه الأجيال نحو المستقبل. فالقادة العابرون تصنعهم اللحظة، أما القادة التاريخيون فيصنعون الزمن نفسه، ويتركون بصمتهم محفورةً في وجدان شعوبهم مهما تبدلت الظروف.

ولعل أكثر ما يميّز هذه المسيرة أنها لم تكن رحلة بحثٍ عن مجدٍ شخصي، بل كانت مسيرة دفاعٍ دائم عن حق شعبٍ كامل في أن يعيش مرفوع الرأس. فمن بين ركام الحروب، ومن تحت دخان القرى المحترقة، ومن بين دموع الأمهات وصبر البيشمركة، ظلّ الحلم الكوردي قائماً لأنه وجد رجالاً آمنوا بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالصبر والإيمان والتضحيات.

وحين اجتاح الإرهاب المنطقة، ووقفت كوردستان في مواجهة أخطر تهديد وجودي، عادت البيشمركة لتثبت أنها ليست مجرد قوة عسكرية، بل روح أمةٍ تعرف كيف تدافع عن إنسانيتها قبل حدودها. وهناك تجلّت مرةً أخرى فلسفة النضال التي حملها بارزاني طوال عقود؛ فلسفة ترى في الكرامة قيمةً مقدسة، وفي الدفاع عن الأرض واجباً أخلاقياً قبل أن يكون خياراً سياسياً.

لقد تحوّل اسم مسعود بارزاني عبر هذه العقود إلى رمزٍ للصمود القومي، وإلى عنوانٍ لمرحلةٍ كاملة من تاريخ كوردستان الحديث. فالرجل الذي عاش بين الجبال، وقاد شعبه وسط العواصف، لم يكن مجرد سياسيٍّ يدير الأحداث، بل كان جزءاً من هوية أمةٍ كاملة، وذاكرة شعبٍ ما زال يكتب تاريخه بدماء أبنائه وصبر أمهاته.

إن أربعةً وستين عاماً من النضال ليست مجرد سنواتٍ تُروى، بل هي مدرسةٌ في الصمود، ودرسٌ للأجيال في معنى الانتماء، ورسالةٌ تؤكد أن الشعوب التي تمتلك إرادة الحياة لا يمكن أن يهزمها الطغيان مهما طال الزمن.

وفي حضرة بارزاني… لا يصبح النضال حدثاً عابراً في كتاب التاريخ، بل يتحوّل إلى عقيدة أمة.
ولا تغدو القيادة سلطةً زائلة، بل أمانةً مقدسة لحماية الكرامة القومية وحراسة الحلم الكوردي حتى آخر الطريق.

قد يعجبك ايضا