احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

الجزء الثامن والثلاثين

كان المركز يتضمن مخزنأ كبيرأ للحبوب والمواد الغذائية الاخرى، وكان رؤوساء العشائر طامعين في هذه المواد لذا كانوا يؤكدون دومأ على عدم قيام البيشمركة بالمساس بهـذا المركز وكان غرض بعضهم من ذلك ارضاء السلطة في حالة عودتها للمدينة وكذلك السيطرة على هذه المواد، لذا كـانوا دومأ يراجعون البارزاني وكذلك المسؤولين الآخرين للمحافظة على المركز المذكـور، وفي الحقيقة كان الاستيلاء على المركز قد تم عن طريق الصدفة ودون التخطيط له مسبقاً، لذا كانت العشائر والمواطنون غير مطلعين على مايجري من الأمور وكان الوقت قريباً من غروب الشمس، فبعد تسفير افراد الشرطة تم نقل جميع محتويات المركز من مواد غذائية واعـتدة وأجهزة اتصال ليـلًا الى مخازن الثورة خارج المدينة، وعند سريان الخبر في الصباح الباكر حضر رجال العشائر ولكن وجدوا المركز خاليأ، فأبدوا سخطهم وعدم رضاهم من ذلك العمل.

 

“كان البارزاني متواجدأ في احـدى المناطق الواقعة قرب طريق مرورنا كان معي الأخ علي سنجاري حيث كان متوجهاً الى منطقة سفين ايضا، لأستلام مهامه الجديدة كمسؤول للفرع الثاني للحزب في منطقة أربيل، ولم يستغرق سيرنا وقتأ طويلاً عندما وصلنا الى المنطقة التي كان البارزاني متواجدأ فيها، وقد تناولنا طعام الغذاء معه والذي كان عبارة عن وجبة بسيطة جدأ عبارة عن لبن الزبادي والجبن الكوردي، وبعد أن تلقى علي سنجاري التوجيهات اللازمة لعمله الجديد، وبعد أن اطلعته انا على مهمتي زودني بمبلغ اضافي بحيث يسد الحاجة اللازمة لأنجاز عملي”

 

وهكذا تم الاستيلاء على ذلك المركز بتلك الطريقة السهلة التي لم نكن نتوقعها، وتم ازاحة تلك الشوكة المزروعة امام أعيننا، وفكرنا بعد الحادث أنا والاخوان محمد عزيز وطاهر صالح في تلك المغامرة الخطيرة وتبين لنا مدى خطورته وكيف اننا بقيامنا بذلك قد جازفنا بحـياتنا بدخول المركز بين هذا العدد الكبير من المسلحين، ولكن الموضوع قد انتهى بسلام ولله الحمد.

احتلال قلعة دزه

في طريقنا الى بيـتواته مع عـمر دبابة في تموز  سنة 1963  وبعد احتـلال قصبة رانية من قبل قوات الجيش، سألته عن مصير مدينة قلعة دزه وهل انها محكمة؟ و أن الدفاع عنها مضمون أم لا؟ فأجابني عمر دبابة بأن مصير قلعة دزه متوقف على موقف العشائر المحيطة بها الساكنة في تلك المنطقة فاذا رغبت هي، أي العشائر، فيمكن الدفاع عنها واذا ارادت عودة السلطة فأن مجرد غض النظر عن اتصال بعض رجالها بالسلطة وقـيامها بمهام الادلاء فيمكن عودتها بسهولة، وقد صدق حدسه فقد ظلت المدينة محررة الى سنة 1965وذلك لرغبة رجال العشائر في الاحتفاظ بها، أما في سنة 1965 فقد تغير الأمر وأختلف عن ذي قبل.

 

 

وفي أواخر تموز سنة 1963 كلفت من قبل المكتبين السياسي والتنفيذي القيام بتوزيع المساعدات المالية على أفراد البيشمركة للقوات المتواجدة في منطقة جبل سفين ومنطقة سهل أربيل. وكان مقرنا في قرية (هه لشو) كـمـا ذكرت، وكنت انتقل في تلك الفترة بين هه لشو وقلعة دزه، وكانت الامكانات الآليـة للثورة ضئيلة جدأ وكان المبلغ المتوفر لدى المكتب التنفـيذي غـير كـاف لتغطية المساعدات اللازمة لأفراد البيشمركة فتقرر المرور في طريقي بالبارزاني لأجل اضافة مبلغ آخر فيما اذا كان متوفراً لديه، ولما كان البارزاني متواجدأ في احـدى المناطق الواقعة قرب طريق مرورنا كان معي الأخ علي سنجاري حيث كان متوجهاً الى منطقة سفين ايضا، لأستلام مهامه الجديدة كمسؤول للفرع الثاني للحزب في منطقة أربيل، ولم يستغرق سيرنا وقتأ طويلاً عندما وصلنا الى المنطقة التي كان البارزاني متواجدأ فيها، وقد تناولنا طعام الغذاء معه والذي كان عبارة عن وجبة بسيطة جدأ عبارة عن لبن الزبادي والجبن الكوردي، وبعد أن تلقى علي سنجاري التوجيهات اللازمة لعمله الجديد، وبعد أن اطلعته انا على مهمتي زودني بمبلغ اضافي بحيث يسد الحاجة اللازمة لأنجاز عملي، وبعد أن أمضينا مدة وجيزة في حضور البارزاني واصلنا أنا وعلي مسيرنا، وبعد المرور على عدة قرى وصلنا قرية هيران -مركز ناحية خوشناو- في اليوم الثاني، وهيران هي قرية جميلة جدأ في سفح جبل سفين وفيها مقر الفرع الثاني للحزب وفيها بساتين وعيون ماء كثيرة.

بعد قضاء يومين في هيران وتوزيع المساعدات الالية للقوات المتواجدة في منطقة سفين، ودعت علي والاخوة الآخرين فى الفرع وتوجهت الى مقـر قـواتنا التـابعة لسهل أربيل، وبما أنني كنت على معرفة مع معظم افرادها كـوننا جميعأ من المنطقة نفسها، فقد رحبوا بي كثيرأ وقضيت معهم وقتأ ممتعاً بالرغم من صعوبة الظروف المعاشية، وقد تجولت في المنطقة لبضعة أيام وتمكنت من الاتصال بأربيل بسهولة ومعرفة وضع عائلتي وغيره من الأوضاع.

قبل سفري الى المنطقة كانت القوة المرابطة في المضيق الواقع بين رانية وقلعة دزه قد عادت الى منطقتها الاصلية في سهل أربيل، للحاق بالقـوات المتواجدة في تلك المنطقة وذلك لتعرضها لهجوم من قبل قوات الجيش، وقد حلت محلها قوة أخرى مكونة من أهالي المنطقة لغرض الدفاع عن المضيق، وقد علمت بأن قوات الجيش أخذت تستعد لشن هجوم على المضيق المذكور لغرض احتلال قلعة دزه، كان الوقف الدفاعي لابأس به وكانت الاحتياطات قد اتخذت لصد هجمات الجيش، وقد بدأ القتال فعلأ وأنا موجود في منطقة قوات سهل أربيل وكنت أحـصل على المعلومات والأخـبـار والتـطورات في الموقف عن طريق البرقيات اللاسلكية الموزعة على المقرات عن الموقف، وعلمت بأن قواتنا تمكنت من صد عدة هجمات للجيش وجرى هدم جزء كبير من الجبل المشرف على الطريق العام المار من المضيق لجعله مانعأ طبيعيا تعيق أو تؤخر تقدم الدبابات، وبعد أن فشلت قوات الجيش من التقدم عن طريق المضيق لجأت الى طريقة أخرى وهي الاتصال ببعض رجال العشائر وتمكنت بدلالتهم من عبور نهر الزاب الصغيـر جنوب المضيق بواسطة العربات البرمائيـة المدرعة ليلأ ،وتمكنت من احتلال موقع استراتيجي في جبل آسوس الواقع على الجانب الاخر من النهر والذي يفصله المضيق عن جبل (كيوه ره ش) وبذلك أصبح من السهل الاشراف على الجانب الجنوبي للمضيق بحيث يصعب الدفاع عنه لذا اضطرت القوة المدافعة من الانسحاب من المضيق وتم تقدم وحدات الجيش فيما بعد على الطريق العام، بعد تنظيفه من الموانع والصخـور وبذلك تقـدمت نحـو مدينة قلعة دزه بسهولة، اذ أن المنطقة الواقعة بين المضيق ومدينة قلعة دزه عبارة عن سهل فسيح يفتقر الى أي مانع طبيعي.

 

 

 

وعندما كنت عائدأ من منطقة أربيل سمعت خبر احتلال قلعة دزه وانا في جبل سفين وتأسفت لذلك، وكان مقرنا قد انتقل قبل احتلال قلعة دزه الى المنطقة المسماة ب(دولي شهيدان) وتعني (وادي الشهداء) وهي منطقة عاصية تقع في منطقة (ناوده شت) شمالي ناحية (سنكه سه ر) وأصبح مقرنا المؤقت في قرية (صلي)، وهي قرية متخلفة جدأ ويعيش سكانها حياة بدائية.

قلت بأنني قد عدت من منطقة أربيل ثم منطقة سفين وعدت الى منطقة مقرنا الجديد وهناك قضينا عدة اسابيع، وكان ضابط الشرطة النقيب شيخ رضا محمد كولاني الذي اصبح بعد اتفاقية آذار سنة 1970 مديرأ لشرطة أربيل عضوا في المكتب التنفيذي، قد كلف بالأشراف على بناء المقرات الشتوية في الموقع المسمى ب(كلي بدران) أي (مـضيق بدران)، وأنتقلتُ الى ذلك الموقع في أواخر ايلول من العام1965.

مضيق بدران

يقع هذا المضيق في القسم الجنوبي لمنطقة (ناوده شت) وهو عبارة عن حوض جبلي ضيق يحيط به الجبال من جميع الاطراف، وله مدخل واحد فقط عبارة عن فتحة واسعة في سلسلة جبلية شامخة ولا يمكن النفوذ الى المنطقة الا من خلال تلك الفتحة، التي كانت تشبه مدخل كبير لمرآب للسيارات وكنا نقول على سبيل المزاح أنه بالأمكان صنع باب واسع وسد هذا المنفذ بواسطته. وكان على جانبي المدخل كهوف واسعة بنيت فيها بعض الغرف وكذلك بنيت بقية المباني في أماكن مختلفة من الموقع، وكان من الصعوبة بمكان اكتـشاف ذلك الموقع لشدة وعورته ولكونه غير مرسوم على الخرائط العسكرية، لذلك فقد بات في مأمن من القصف الجوي لعدة أشهر.

 

“في أواخر كانون الاول 1965،اصبت بنوبة مرض كانت شبيهة بنوبة قلبية، تقرر ارسالي للفحص والمعالجة في طهران، وكان من المقرر أن يسافر السيد حبيب محمد كـريم سكرتير اللجنة المركزية للحزب بأجازة اعتيـادية الى طهران أيضاً، حيث كان يقيم فيها شقيقاه د.جعفر وهادي، وكان الدكتور جعفر من مؤسسي الحزب الديقراطي الكوردستاني وقد اسقطت عنه الجنسية العراقية في أواخر الاربعينيات أو أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وسفر قسراً الى ايران وظل ساكناً في طهران الى أن وافته المنية في مطلع القرن الحالي (رحمه الله)”

 

وفي كانون الاول من سنة 1965، تمكنت الطائرات العـسكرية من العثور على الموقع المذكور وذلك بفعل الجواسيس فتعرضت المنطقة لقصف شديد وشبه يومي، ولكن من حسن الحظ أن المنطقة كانت هدفأ مستعصيأ جداً وأن أكثر القنابل المستعملة كانت تسقط على قمم الجبال المحيطة بالحوض أو خارجه، وقد تكبدنا طيلة تلك المدة شهيداً واحداً من الحرس وأسمه (فتاح.)

في أواخر كانون الاول من تلك السنة، اصبت بنوبة مرض كانت شبيهة بنوبة قلبية، ولكن من حسن الحظ كان ذلك في مقر اجتماعنا واثناء الاجتماع، فكان الدكتور محمود علي عثمان الذي كان عضوأ في المكتب السياسي حاضر وهو طبيب وكذلك علي سنجاري الذي كان يقوم بزيارة مـقرنا يحمل معه ابرة خاصة لمثل هذه الحالات فتمت معالجتي من تلك الحالة، وقـد أنتخب علي سنجاري فيما بعد عضوأ في المكتب السياسي ونحن لانزال في ذلك المقر.

تقرر ارسالي للفحص والمعالجة في طهران، وكان من المقرر أن يسافر السيد حبيب محمد كـريم سكرتير اللجنة المركزية للحزب بأجازة اعتيـادية الى طهران أيضاً، حيث كان يقيم فيها شقيقاه د.جعفر وهادي، وكان الدكتور جعفر من مؤسسي الحزب الديقراطي الكوردستاني وقد اسقطت عنه الجنسية العراقية في أواخر الاربعينيات أو أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وسفر قسراً الى ايران وظل ساكناً في طهران الى أن وافته المنية في مطلع القرن الحالي (رحمه الله).

كانت الامكانيات المالية للثورة ضعيفة جدأ في ذلك الوقت، فلم يكن يملك المكتب السياسي غير بضعة دنانير ولأجل تأمين نفقات سفري فقد اقترض المكتب مبالغ بسيطة من كل من علي سنجاري ومرافقي عمر قادر، فتم تأمين مبلغ بسيط لي لايكاد يكفي مصاريف جيبي، وكذلك اعارني على سنجـاري بدلة مستعملة كان يملكها حيث كان قد اقتناها قبل ذلك في طهران اثناء سفره اليها، وكان قد اعارها ايضأ الى شخص آخر قبلي عند سفره، فلما رآني موظف الساواك الذي رافقني في سفرتي استغرب وقال ((يظهر بأنكم جميعأ ترتدون زياً واحداً ولوناً واحداً!)).

أعود الى بداية الموضوع فقد غادرنا في حوالي العشرين من شهر كانون الاول سنة 1965 أنا وحبيب محمد كريم الذي كان يقوم بزيارة شقيقيه كما ذكرت، ولم تكن له مشكلة مالية كـالتي كانت لدي، واثناء مغادرتنا المقر شنت طائرة عراقية من نوع اليوشن غارة بالقنابل على مقرنا والتي سقطت بالقرب منا الا ان التـضاريس وطبيعة الاراضي وكثرة الصخور الضخمة قد وقتنا، ووصلنا حاجي اومران (حاج عمران) نفس اليـوم وكان يصادف شهر رمضان المبارك، وحللنا في دار أحمد نبي وهو من شخصيات المنطقة وكان له مع أشقائه دور مشهود في الثورة وقد اسشهد أحد اشقائه، وكان الشتاء قارساً جداً وكانت المنطقة مغطاة بالثلوج بسمك اقدام لذا كـان الطريق مقطوعاً ولم يكن بالأمكان أي تحرك بواسطة السيـارات، فأضطررنا الى المبيت في تلك الدار زهاء عشرة أيام لحين وصول سيـارة ايرانية حكومية، وأخبرنا سائقها أنه يحمل موافقة نقل حبيب محمد كريم فقط فأضطررت الى الانـتظار يومين اخرين لحين ورود الموافقة وواسطة النقل، فسافرت الى الرضائية (أورمية) في المرحلة الاولى، وفي اليـوم التـالي الى طهران بواسطة قطارات سكة الحديد، يرافقني أحد الموظفين الرسميين، وعند وصولي طهران عرضت في نفس اليوم على الطبيب المختص الذي اجرى لي الفحوصات اللازمة، وطمأنني بأن الحالة لاتتعدى كونها تشنج عضلات وزودني بالأدوية اللازمة بعد أن أوصاني ببعض الراحة، والتقيت في عـيادة الطبيب بالسيـد عـبدالرزاق عبـدالباقي المعروف ب (عبدالرزاق منكوري) وهو من أهالي كويسنجق وكنت أعرفه سابقاً، وقد التحق بالثورة منذ سنة1962 وكان يسكن طهران في ذلك الوقت، ورافقني الموما اليه الى الفندق الذي كنت أحل فيه ،ثم جاءني السيـد شمس الدين المفتي الذي كان ممثلاً للثورة في طهران وقد بقيت فيها زهاء ثلاثة أسابيع، وأتصلت تلفونياً بشقيقي أنور الذي كان يعمل كطبيب في المانيا الغربية في برلين، وكانت تلك هي المرة الأولى أتحدث معه منذ نيسان سنة1963 حينما غادر بغداد نهائياً بعد اطلاق سراحه كما نوهت عن تفاصيل الحادث سابقا، وكان موقفأ عاطفياً جداً، حيث كان يسمع أحدنا صوت الآخر لأول مرة خاصة بسبب وفاة والدتي قبل أكثر من سنتين من ذلك الزمن، بعث لي أنور بعض المبالغ وسافر كل من حبـيب وشمس الدين الى منطقة بنجوين العراقية عن طريق ايران لوقوعها قرب الحدود، وكان البارزاني الراحل متواجداً هنالك للأشراف بنفسه على المعارك الدائرة قرب بنجوين، وقد بعث لي البارزاني ايضأ بعض المبالغ مع شمس الدين وبذلك أصبح لدي مبلغ مناسب يسد احتياجاتي خلال مدة بقائي في طهـران وعند عودة شـمس الدين من لقاء البارزاني، عاد معه محمد زياد الغفوري (كاكه زياد) الذي كان يرافق البارزاني ايضاً.

قد يعجبك ايضا