الباحثة السياسية جيهان علو
مع تزايد تعقيد الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل، يتجسد لبنان كساحة مفتوحة للتأثيرات الجيوسياسية العميقة التي تهدد استقراره الداخلي وتحدياته السيادية. هذا الصراع الذي يتجاوز كونه مواجهة عسكرية بين دولتين، بل ينطوي على تأثيرات استراتيجية ومباشرة على المنطقة بأسرها، حيث تفرض طهران يدها على لبنان عبر حزب الله كذراعها العسكري الأبرز. بينما تواصل إسرائيل تعزيز جاهزيتها العسكرية للتعامل مع هذه التهديدات، يبقى لبنان بين المطرقة والسندان. تحلل هذه الدراسة تأثير الصراع الإيراني-الإسرائيلي على لبنان، بما في ذلك انعكاساته على الاستقرار الداخلي والسيادة اللبنانية، فضلًا عن موقف القوى اللبنانية المختلفة في ظل هذه التحديات الكبرى.
التهديدات الأهلية في ظل النفوذ الإيراني: لبنان في مواجهة خطر الانزلاق نحو حرب جديدة
في السياق اللبناني، يظل السؤال المطروح: هل لبنان على شفا حرب أهلية جديدة؟ هذا السؤال يزداد إلحاحًا في ظل حالة الانقسام الحادة بين القوى السياسية اللبنانية المتناحرة حول كل شيء، بدءًا من مسألة سلاح حزب الله، وصولًا إلى المواقف من إسرائيل ومنطقة النفوذ الإيراني. يعتبر حزب الله، المدعوم من إيران، القوة العسكرية الأكثر تنظيماً وتأثيرًا في لبنان، ويعدّ حجر الزاوية في سياسة طهران الإقليمية.
بينما يرى حزب الله أن وجوده العسكري ضرورة لحماية لبنان من الهجمات الإسرائيلية، فإن هذا الوجود يعدّ جزءًا أساسيًا من استراتيجية إيران في المنطقة. هذا ما يعكس الجدل المستمر حول سيادة الدولة اللبنانية وتحدياتها في فرض السلطة المركزية على كافة أراضيها، إذ يتساءل العديد من المحللين إن كان لبنان سينجح في تقليص النفوذ الإيراني المتزايد في سياق مناورات سياسية معقدة.
من جانب آخر، فإن السياسات الطائفية الداخلية وصراعات القوى السياسية المحلية تجعل من الصعب الحديث عن استقرار دائم في لبنان. على الرغم من وجود توافقات لحماية الأمن الداخلي، فإن الانقسامات بين المكونات السياسية، بين مؤيدي حزب الله ومعارضيه، تشكل تهديدًا كبيرًا على وحدة البلاد. حرب أهلية جديدة قد لا تكون حتمية، لكنها تبقى احتمالًا وارداً نتيجة للاحتقان الداخلي والصراعات الإقليمية المستمرة.
المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية: نافذة لفرصة السلام أم طريق نحو التصعيد؟
أخذت الحكومة اللبنانية، في السنوات الأخيرة، خطوات نحو مفاوضات مع إسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين، في خطوة نادرة ضمن السياسة اللبنانية التي ظلت ترفض التفاوض مع إسرائيل لعقود. هذه المفاوضات تتعلق بشكل أساسي بالحقوق الاقتصادية المتعلقة بالثروات البحرية في البحر الأبيض المتوسط، وهي خطوة اعتبرت ضرورية لتحفيز الاقتصاد اللبناني المنهار. لكن ما يغفل عنه الكثيرون هو أن هذه المفاوضات لا تأتي في فراغ سياسي، بل في وقت تتزايد فيه المخاوف من تصعيد عسكري في الجنوب اللبناني.
حزب الله، الذي يعد الممثل العسكري الإيراني في لبنان، يرفض بشكل قاطع أي مفاوضات مع إسرائيل. ويعتبر التفاوض مع الدولة العبرية بمثابة خيانة وطنية، باعتبار أن إسرائيل لا تزال تشكل تهديدًا وجوديًا للبنان وفقًا لرؤية الحزب. في المقابل، هناك قوى لبنانية أخرى، مثل القوات اللبنانية، تدعو إلى ضرورة التفاوض مع إسرائيل من أجل ضمان مصلحة لبنان الاقتصادية وإنهاء الأزمة المالية الحادة التي يواجهها. تظل الأزمة اللبنانية متشابكة بين ضرورة التحرك نحو ترسيم الحدود الاقتصادية وبين الحفاظ على الموقف السياسي الرافض لإسرائيل.
الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق هي: هل تستطيع الحكومة اللبنانية المضي قدمًا في هذه المفاوضات في ظل المعارضة الشديدة التي تلاقيها من حزب الله وحلفائه؟ هل ستبقى لبنان قادرة على الحفاظ على توازنها بين القوى المحلية والدولية المعادية لإسرائيل؟
سلاح حزب الله: مسألة السيادة اللبنانية وحسابات إيران في المنطقة
تعد مسألة سلاح حزب الله من القضايا الجوهرية التي تهدد وحدة لبنان وسيادته. ورغم أن حزب الله يبرر وجوده العسكري بحماية لبنان من التهديدات الإسرائيلية، فإن الحقيقة تبقى أن الحزب يدير شبكة عسكرية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية وتتلقى توجيهات مباشرة من طهران. في هذا السياق، يعتبر سلاح حزب الله أحد الأدوات الاستراتيجية التي تستخدمها إيران لتعزيز نفوذها في المنطقة، سواء في لبنان أو في سوريا، حيث كان الحزب مشاركًا في دعم النظام السوري في حربه ضد المعارضة.
على المستوى اللبناني، تثير مسألة سلاح الحزب انقسامًا حادًا بين القوى السياسية. فالقوى المناهضة لحزب الله، وعلى رأسها القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، تطالب بنزع السلاح، مشيرة إلى أن لبنان لا يمكن أن يظل رهينة لميليشيات خارج السيطرة المركزية للدولة. من ناحية أخرى، يبقى حزب الله متمسكًا بسلاحه، معتبرًا أنه جزء من مقاومته ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل إن أي محاولة لنزع سلاحه سيعتبر تهديدًا مباشرًا لوجوده السياسي.
ويبقى السؤال المفتوح: هل بإمكان لبنان، في ظل هذا التوازن المعقد، أن يفرض سيادتها بالكامل، أم أن صراع السلاح السياسي سيظل سمة مميزة للمرحلة المقبلة؟
الموقف الإيراني من لبنان: نفوذ استراتيجي أم استعمار جديد؟
لعبت إيران دورًا كبيرًا في تحديد معالم السياسة اللبنانية عبر دعمها المتواصل لحزب الله، ما جعل لبنان في كثير من الأحيان مسرحًا للصراع الإيراني-الإسرائيلي. إيران تعتبر لبنان جزءًا من سياستها الإقليمية الكبرى، ويعكس هذا الدعم المستمر في شكل مساعدات عسكرية، سياسية، واقتصادية. السفير الإيراني في لبنان ليس مجرد دبلوماسي؛ هو أحد الرموز السياسية التي تعكس عمق العلاقة بين طهران وبيوت القرار اللبناني.
ومع ذلك، تتزايد الأصوات داخل لبنان التي تنتقد هذا النفوذ الإيراني المتزايد. هذه الأصوات ترى أن لبنان لم يعد قادرًا على الحفاظ على استقلاليته في السياسة الخارجية، وأنه أصبح ساحة للمصالح الإيرانية على حساب المصلحة اللبنانية. في الوقت نفسه، تطالب العديد من القوى اللبنانية بضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، وأن يعاد بناء الدولة على أسس استقلالية بعيدة عن الهيمنة الإقليمية.
مواقف القوى السياسية اللبنانية: الجيش اللبناني في مفترق طرق
تتباين مواقف القوى السياسية اللبنانية تجاه الأزمة الإيرانية-الإسرائيلية وسلاح حزب الله. ففي الوقت الذي تتمسك فيه القوات اللبنانية بسياسة نزع سلاح حزب الله، تحاول التيار الوطني الحر إيجاد توازن بين المصالح اللبنانية والإيرانية، على الرغم من التحولات السياسية التي شهدها هذا التيار. في المقابل، يعبر الحزب التقدمي الاشتراكي عن موقف أكثر استقلالية، داعيًا إلى الحياد وعدم السماح للبنان بالانزلاق في أي صراع إقليمي.
أما طرابلس، فقد أظهرت مرارًا رفضًا لأي هيمنة إيرانية، إذ تعتبر المدينة السنية معقلًا رئيسيًا للمعارضة السياسية لحزب الله، مما يجعلها نقطة صراع إضافية في الأزمة اللبنانية.
في المحصلة
لبنان في هذه المرحلة يبدو عالقًا في مفترق طرق، حيث يتداخل الصراع الإقليمي مع الأزمات السياسية الداخلية. وتبقى الأسئلة الأهم: هل سيتمكن لبنان من فرض سيادته والابتعاد عن محاور القوى الإقليمية الكبرى؟ وهل سيتمكن من التغلب على الانقسامات الطائفية في ظل ضغوطات سياسية خارجية وداخلية؟ إذ يبقى مستقبل لبنان رهينًا بقدرته على اتخاذ قرارات حاسمة تعيد توازنه السياسي وتجعل من السيادة الوطنية أمرًا قابلًا للتحقيق بعيدًا عن التدخلات الخارجية أو أذرع إيران في الجنوب .