دلزار اسماعيل رسول
مات ابي و شد الرحال الى عالم البرزخ و هو يستأذننا قبل وفاته…قال لي اكثر من مرة ان لديه وصية سوف يخبرني بها في الوقت المناسب ولكني كنت دائما استحثه على عدم البوح به لان الموت بعيد عنه ولا داعي لذكره ولكن حينما داهمه المرض ووقع طريح الفراش صار يردد ايضاً انه سوف يموت فقلت له اطمئن…لن تموت…و حين مات أصبت بالصدمة…فمنذ طفولتي لم أتوقع او أتصور أن ابي سوف يتركني و يموت…حاولت كثيرا أن أبقيه على قيد الحياة لكي أحقق حلم طفولتي…فطالما لم ارغب ان اخسر احدا من المحيطين بي من أحبابي و اصدقائي…ولكني فقدتهم الواحد تلو الآخر…لقد احضرت الطبيب تلو الطبيب لكي اعالجه و أعيده الى شبابه و بدوري ارجع الى طفولتي و أعيد نفسي لذاك الطفل الآمن بوجوده …ولكني فشلت رغم كل محاولاتي و إلتماسي للأطباء، فشلتُ في أن أعيده لشبابه و تذكرت كبواتي و عثراتي في الحياة… …لقد خسرت ابي… ….و تلبد سماء قلبي بغيوم سوداء لا تتبد و لا تنقشع…
خسرتُ اليوم آخر المدافعين عني، ذاك الذي كان يحميني حتى ولو كنتُ على خطأ. ، فبموته تلبدت سماء قلبي بغيوم سوداء لا تنقشع، وأدركتُ أنني فقدت السند الذي كان يحمل عني وعثاء الطريق.
لطالما كان أبي هو صاحب القرار الأول والأخير في مصائرنا. كان يقرر نيابةً عنا من وجهة نظره، ولم نكن نجرؤ يوماً على مخالفته أو مناقشته. أمضينا العمر والدهر على هذا المنوال؛ كان هو البوصلة التي توجهنا، واليد التي ترسم مساراتنا حتى وإن كنا كارهين لبعض تلك الاختيارات، فلطالما كان يمضي في طريقه ويُقضى الأمر، وكنا نسلم له بيقيننا أنه لا يريد لنا إلا الأفضل.
اليوم، أجد نفسي أمام الاختبار الأصعب؛ فبموته صار لزاماً علينا أن نقرر بأنفسنا، وبتنا نحنُّ لتلك الأيام التي كانت قراراتنا فيها بين يديه، معفيةً من الحيرة والتردد.
رغم غلظته التي كانت تسور تفاصيل أيامنا، وتلك القسوة المهيبة التي طالما واجهني بها، إلا أن قلبي ظل عصياً على الجفاء، فلم يتسلل إليه يوماً مقتٌ، ولم تجد الرغبة في الابتعاد عنه طريقاً إلى روحي. كنت أرى في صرامته درعاً يلوذ به بيتنا، وفي حزمه حناناً مقنعاً يخشى علينا من عثرات المدى.
أنا الذي عشتُ أستظل بظله المديد، لم يكن يدور في خلدي، ولا تجرأت مخيلتي يوماً على تصور ذلك اليقين المرعب: أنني سأقف يوماً بائساً، أنظر إلى مكانه الخالي فأذرف الدمَ قانياَ من مقلتي لا الدموع، وأحترق بشوقٍ لا يهدأ. ها هي المآقي قد أعلنت فيضاناً من الحزن لا ينقطع، وها هي العيون قد جفت مياهها ولم تجف عبراتها، وكأنها تبكي عمراً كاملاً تلاشت أركانه برحيله.
سأبقى ما امتد بي الدهر، وتوالت عليّ السنون، رهين ذكراه الحية؛ أتتبع في زوايا البيت صدى خطاه الوئيدة، وأستعيد في صمت الليالي حشرجة كلامه وتفاصيل نصحه، وأطوف بأماكنه التي غدت بعده قفاراً موحشة. سأظل أقتفي أثره في كل زاوية، وأرمم ملامحه في ذاكرتي كلما أمعن الغياب في تغييبه، فوالله ما نسيته ولن ينقضي دهري إلا وأنا أتنفس ذكراه.
لقد دارت عجلة الزمان دورتها الكاملة، وتغيرت الأدوار في تلك الأيام الأخيرة الشاحبة من عمره؛ فقبل أن يدركه الموت، ويتخطفه الغياب، وجدتُني أعود معه في رحلة عكسية إلى ينابيع طفولتي الأولى. صرتُ أنا الرّاعي بعد أن كنتُ المرعيّ، وغدوتُ الحارس لجسده الواهن بعد أن كان سياج أمني وعافيتي.
في تلك اللحظات المقدسة والمؤلمة، وأنا أتولى شؤونه وأغدق عليه من رعاية قلبي، انفتحت في مخيلتي بوابة الذكريات العتيقة؛ فاستحضرتُ بدموعٍ حارقة أيام طفولتي الغابرة، حينما كانت يداه الحانيتان، القويتان يومها، تفيضان بالدفء والرحمة وهي تغسلني وتطهرني من وعثاء الصغر.
يا لها من مفارقة شجية أبكت روحي قبل عيني؛ كيف لليد التي طالما حملتني طفلاً، أن أوسدها اليوم طفلةً بين يديّ! وكيف لذاك الحصن الذي كان يغمرني برعايته، أن يلوذ اليوم بضعفه إليّ! لقد تماهت الأزمنة، فكنتُ أغسله وأنا أبصر في ملامحه المتعبة صورتي القديمة، وكأنني ببرّي له، أحاول أن أردّ غيثاً من بحر عطائه الذي لم ينقطع.
حينما غسلته وكفنته وواريت جسده الثرى، لم أدفن جسداً فحسب، بل حملتُ معه جميع ذكريات طفولتي ودفنتها في ذاك القبر.
نسأل الله العظيم أن يتقبله بواسع رحمته، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة. إنا لله وإنا إليه راجعون.