صادق الصائغ… سيرة شاعر عبر خرائب الوطن والمنفى

نبيل عبد الأمير الربيعي

برحيل الشاعر والفنان العراقي في منفاه اللندني مايس عام 2026، تطوى صفحة من صفحات الجيل الثقافي العراقي الذي تشكل وعيه في قلب التحولات الكبرى التي عصفت بالعراق منذ منتصف القرن العشرين. وهو جيل لم يكن الشعر بالنسبة إليه فعلاً جمالياً خالصاً، بل وسيلة لفهم العالم ومقاومة قسوته، ومحاولة دائمة لإضفاء معنى على الخراب المتكرر الذي عاشه الإنسان العراقي.
ينتمي صادق الصائغ إلى ذلك النمط النادر من المثقفين الذين لم تنحصر تجاربهم في حقل إبداعي واحد، فقد كان شاعراً وناقداً وكاتباً مسرحياً وإعلامياً وفناناً تشكيلياً وخطاطاً، فضلاً عن مساهماته في صحافة الطفل والعمل الثقافي العام. ولهذا بدت تجربته، على امتداد عقود، أقرب إلى مشروع ثقافي متكامل، تتداخل فيه الحساسيات الفنية مع الرؤية الفكرية والهم الإنساني.

ولد الصائغ عام 1936، في مرحلة كان العراق فيها يدخل مخاضات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة، وقد انعكس ذلك بوضوح على تكوينه النفسي والروحي. فمنذ بداياته المبكرة، انجذب إلى الكتابة بوصفها أفقاً للتعبير عن القلق الوجودي والأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرية والمصير والعدالة، وهي الثيمات التي ستظل ملازمة لتجربته الشعرية حتى سنواته الأخيرة.
ورغم أن حضوره في الوسط الثقافي العراقي بدأ منذ ستينيات القرن الماضي عبر النشر في الصحف والمجلات الأدبية، فإن صدور مجموعته الشعرية الأولى (نشيد الكركدن) عام 1978 شكل الإعلان الأوضح عن ملامح مشروعه الشعري. وقد جاء الديوان في لحظة عراقية وعربية شديدة الاضطراب، حيث كانت الأسئلة السياسية والوجودية تضغط بقسوة على وعي المثقف العربي، الأمر الذي منح نصوصه بعداً توترياً واضحاً.
تميز شعر الصائغ منذ بداياته بنبرة داخلية حزينة، وبحس مأساوي يرى العالم بوصفه فضاءً هشاً ومهدداً باستمرار. لكنه، في الوقت ذاته، لم يقع في المباشرة السياسية أو الخطابية الأيديولوجية التي طبعت كثيراً من شعر تلك المرحلة، بل ظل وفياً لقصيدة تتأسس على الرمز والصورة الكثيفة والبعد التأملي.
في (نشيد الكركدن) تظهر الذات الشعرية محاصرة بين الخوف والرغبة في النجاة، بين العنف الخارجي والهشاشة الداخلية. وكان الصائغ يكتب بلغة تتسم بالتوتر والإيقاع المشحون، لكنها تحتفظ دائماً بقدر من الصفاء الفني والاقتصاد التعبيري. ولعل هذا ما منح قصيدته خصوصيتها داخل المشهد الشعري العراقي الحديث.
كما أن تجربته لم تكن منفصلة عن الحس التشكيلي الذي امتلكه، فقد انعكس اشتغاله بالرسم والخط والتصميم على بنية قصيدته وصورها البصرية. كان ينظر إلى النص الشعري باعتباره بناءً جمالياً تتجاور فيه الكلمة مع اللون والإيقاع والفراغ، وهو ما جعل قصيدته تنفتح على أفق بصري واضح.
إلى جانب الشعر، مارس الصائغ نشاطاً ثقافياً وإعلامياً واسعاً، فعمل في الإذاعة والتلفزيون، وكتب للمسرح والسينما، وأسهم في تجارب ثقافية مهمة تخص الطفل العراقي، ولا سيما عبر مشاركته في الأعداد الأولى من مجلة (مجلتي)، التي مثلت إحدى أبرز التجارب التربوية والثقافية في العراق الحديث.
غير أن تجربة المنفى ستترك أثرها العميق على عالمه الداخلي. فقد وجد نفسه، مثل كثير من المثقفين العراقيين، موزعاً بين ذاكرة الوطن وواقع الغربة. وفي لندن، حيث استقر سنوات طويلة، ظل العراق حاضراً بوصفه جرحاً مفتوحاً أكثر منه مجرد مكان بعيد.
ولعل ما يميز تجربة الصائغ في المنفى أنها لم تتحول إلى خطاب نوستالجي ساذج، بل ظلت مشغولة بفحص معنى الفقد والاقتلاع والانتماء. كان يدرك أن المنفى ليس جغرافيا فحسب، بل حالة روحية معقدة يعيش فيها الإنسان انقسامه بين زمنين ومكانين وهويتين.
بعد عام 2003 عاد إلى بغداد مدفوعاً بحلم استعادة الصلة بالمكان الأول، شأنه شأن عدد من المثقفين العراقيين الذين ظنوا أن سقوط النظام السابق قد يفتح أفقاً جديداً لبناء الدولة والثقافة والحياة المدنية. إلا أن الواقع العراقي سرعان ما كشف عن عنف آخر أكثر تعقيداً، تمثل في الانقسامات الطائفية والفوضى الأمنية وانهيار البنى الاجتماعية.
في تلك المرحلة كتب الصائغ نصوصاً تنطوي على حس توثيقي واضح، من دون أن تفقد بعدها الشعري. وقد بدت قصيدته الشهيرة (هنا بغداد) مثالاً على ذلك، إذ استطاع من خلالها أن يقدم صورة للمدينة العراقية بوصفها كائناً مثقلاً بالجراح، لكنه يحتفظ، رغم كل شيء، ببقايا الروح.
كان ينظر إلى بغداد بعين الشاعر الذي يعرف أن المدن لا تموت دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء تحت وطأة العنف والنسيان والخوف. لذلك جاءت قصائده اللاحقة مشبعة بإحساس الفقد، لكنها لم تخلُ من نزعة إنسانية عميقة تنحاز إلى البسطاء والهامشيين وضحايا الحروب.
وإذا كان بعض شعراء جيله قد انجرفوا نحو التنظير أو الصخب الإعلامي، فإن صادق الصائغ ظل أقرب إلى العزلة النبيلة. لم يسعَ إلى تكريس صورة الشاعر النجم، بل انشغل بعمله الثقافي بصمت، محتفظاً بمسافة نقدية من الوسط الثقافي ومن تحولات السياسة معاً.
لقد مثّل الصائغ نموذجاً للمثقف الذي يرى الثقافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للظهور أو النفوذ. ولهذا اكتسب احترام أجيال متعددة من الكتّاب والفنانين الذين رأوا فيه مثالاً للنزاهة الفكرية والالتزام الإنساني.
إن قراءة تجربة صادق الصائغ اليوم تكشف عن شاعر لم يكن معنياً فقط بكتابة القصيدة، بل بمحاولة فهم الإنسان في لحظات ضعفه وانكساره. وقد استطاع، عبر مسيرته الطويلة، أن يمنح الشعر العراقي صوتاً هادئاً لكنه عميق، صوتاً لا يصرخ بقدر ما يتأمل الخراب ويحاول أن ينتشل منه ما تبقى من معنى.
برحيله يخسر العراق واحداً من مثقفيه الكبار الذين عاشوا بين الحلم والخيبة، بين الوطن والمنفى، وبين الإيمان العميق بدور الثقافة والإحساس المرير بعجزها أمام الكوارث الكبرى. ومع ذلك، فإن أثره سيظل حاضراً في الذاكرة الثقافية العراقية بوصفه أحد الأصوات التي عبرت بصدق عن قلق الإنسان العراقي في زمن التحولات العاصفة.

قد يعجبك ايضا