الاستثمار الحقيقي لروح الإنسانية والجسد المادي …

علي شحونه الكعبي

الاستثمار الحقيقي لروح الإنسانية والجسد المادي …
في زمنٍ تتسارع فيه المقاييس المادية، ويُختزل النجاح أحيانًا بما يُرى لا بما يُبنى في الداخل، يغفل كثيرون عن حقيقةٍ راسخةٍ مفادها أن أعظم ما يمكن للإنسان أن يستثمر فيه ليس رصيدًا مصرفيًا، ولا مظهرًا عابرًا، بل ذاته التي ترافقه في كل منعطف من منعطفات الحياة.
إن الإنفاق على النفس لا يُعد ترفًا كما يتوهّم البعض، ولا رفاهية تُمارَس على هامش الأيام، بل هو ضرورة حضارية وإنسانية تعكس وعي المرء بقيمته، وإدراكه بأن البناء الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن يظهر أثره في الخارج. فالاعتناء باللياقة البدنية ليس انشغالًا بالشكل بقدر ما هو احترام للجسد الذي يحملنا في رحلة العمر، والاهتمام بالمظهر والأناقة ليس ضربًا من التكلّف، بل رسالة صامتة تقول إن الإنسان يقدّر ذاته ويمنحها ما تستحق من عناية.
أما العطر والأسلوب، فهما ترجمان الذوق ومرآة الشخصية؛ إذ كثيرًا ما يُقرأ الإنسان من حضوره قبل حديثه، ومن أثره قبل كلماته. والطعام الصحي ليس مجرد اختيار يومي، بل هو قرار طويل الأمد لصناعة حياةٍ أكثر اتزانًا وعافية. وأما الثقافة والعلم، فهما الزاد الذي يسمو بالعقل، ويرتقي بالفكر، ويمنح صاحبه بصيرةً يرى بها ما وراء ظواهر الأشياء.
إن المال الذي يُنفق على تهذيب النفس، وصقل الفكر، وتطوير المهارات، ليس مالًا مهدورًا، بل هو استثمارٌ نبيل تعود أرباحه على الإنسان ثقةً، واتزانًا، وطمأنينةً، وسموًا في الحضور والمكانة. وفي علم النفس الحديث، يُنظر إلى العناية بالذات بوصفها أحد أرقى أشكال تقدير النفس؛ لأنها تعبير عملي عن إيمان الإنسان بأنه يستحق الأفضل، وأن حياته تستحق أن تُعاش بوعيٍ وكرامة.
وحين يعتني المرء بنفسه، فإنه لا يفعل ذلك بدافع التفاخر أو الاستعراض، بل بدافع الامتنان لهذه الروح التي صبرت، ولهذا الجسد الذي احتمل، ولهذا العقل الذي ما انفك يحاول النهوض كلما أثقلته الأيام.
وفي خاتمة المطاف، يبقى الإنسان رسالته الأولى، ومشروعه الأصدق، وحكايته التي تستحق أن تُكتب بأجمل الحروف. فمن أحبّ ذاته بحق، أحسن بناءها، ومن أحسن بناء ذاته، صار أثره في الحياة أنبل وأبقى
فامنح نفسك ما تستحق من رعاية،
فليس في ذلك ترفٌ ولا مبالغة،
بل هو الوفاء الأجمل لروحٍ اختارت أن تقاوم،
ولقلبٍ ما زال يؤمن أن القادم يستحق أن نكون له أفضل واعلم ان كل ماقيل له الأثر المعنوي وقد ورد في طيات تراثنا الاسلامي سواء كان هذا الذكر في القرأن الكريم او سيرة الأحاديث النبوية او روايات اهل البيت او أصحاب العلم .

قد يعجبك ايضا