الباحث القانوني رنج باراوي*
في النظام الفيدرالي، يُعد هيكل السلطة التشريعية العمود الفقري للاتزان الدستوري، وبدون الازدواجية في التمثيل الوطني والمحلي، تصبح الفيدرالية مجرد قشور شكلية وسلطة مركزية مدنية مدمرة. يؤكد دستور جمهورية ع العراق لعام ٢٠٠٥ في المادة (٤٨) بوضوح على أن السلطة التشريعية الاتحادية تتكون من مجلسين: مجلس النواب ومجلس الاتحاد. غير أنه في الوقت الذي يواصل فيه مجلس النواب سن القوانين منذ عقدين من الزمن، أُبقِي مجلس الاتحاد في ولادة عمياء معطلة وصمت دستوري هندسي مقصود. إن هذا التعطيل طويل الأمد ليس مجرد ثغرة إدارية، بل هو أزمة دستورية عميقة وضعت مجمل العملية السياسية والمالية في العراق موضع التساؤل.
هذا التعطيل لمجلس الاتحاد هو النتيجة المطلقة والحقيقية لثقافة المحاصصة الطائفية والحزبية لا إرادة أغلبية وطنية. وتحت ستار التوافق السياسي وتقسيم السلطات على أساس المكونات، خافت القوى الحاكمة الرئيسية في بغداد من أن يتحول هذا المجلس إلى قلعة لحماية حقوق كيان الأقاليم والمحافظات، بحيث يمنع الأغلبية البرلمانية البسيطة من تمرير القوانين دون ضمانات مناطقية. إذن، هذا التعطيل لا هو بأغلبية ديمقراطية ولا هو تقني، بل هو توافق سلبي أو إفلاس سياسي اتفقت فيه الأسباب الرئيسية على خنق هذه المؤسسة دستورياً لتبقى السلطة التشريعية بالكامل تحت سيطرة المركز.
إن هذا التعطيل جوهري ومخطط له، وليس مجرد بطء مؤقت. فعندما تُهمل مؤسسة كان تأسيسها إلزامياً بموجب المادة (٦٥) من دستور جمهورية العراق لعام ٢٠٠٥ التي تنص على: “يُنشأ مجلس تشريعي يسمى (مجلس الاتحاد)، يُضم ممثلي الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، ويُنظم تكوينه وشروط العضوية فيه واختصاصاته وكل ما يتعلق به بقانون سنّ بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب”، طوال أكثر من عشرين عاماً على أرض الواقع، فإننا نكون أمام انتهاك دستوري مهندس بالوكالة.
يمارس النظام السياسي العراقي نوعاً من الوكالة السلبية؛ حيث يرى البرلمان نفسه مخولاً باتخاذ القرار بشأن تنفيذ أو تجاهل مادة دستورية، في حين أنه في الفقه الدستوري، السلطة التشريعية نفسها منبثقة عن الدستور ولا يحق لها بأي شكل من الأشكال رفض أو تعطيل جزء من ذلك الدستور الذي يشكل شرطاً لقيامها. البرلمان العراقي، عبر امتناعه عن تشريع قانون مجلس الاتحاد، فرض في الواقع سلطته المطلقة على الدستور، وهذا يعد خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات وكسراً للمادة (٥٠) من الدستور الخاصة باليمين الدستورية ، والتي تدخل ضمن نطاق المخالفة الإدارية والدستورية وفقاً لقانون العقوبات العراقي رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ .
تاريخياً وعملياً، أشار إلى هذه المسألة مراراً عدد من النواب والخبراء المستقلين، لكنها لم تتحول قط وبشكل جدي ومستمر إلى نقطة تحول أمام المحكمة الاتحادية العليا التي تمتلك، بموجب قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (٣٠) لسنة ٢٠٠٥ وتعديلاته، صلاحية النظر في الدعاوى الدستورية. وفقاً لقواعد التقاضي الدستوري، يحق لأي سلطة اتحادية، أو نائب يمتلك صفة الطعن، أو أي مواطن متضرر، تحريك دعوى دستورية ضد هذا التغاضي القانوني. ولكن المشكلة تكمن في أن الجهات ذاتها التي يُفترض أن ترفع الدعوى هي المستفيدة أصلاً من هذا السكوت.
من الناحية العلمية الدستورية، ما تعرض له مجلس الاتحاد ليس مجرد مشكلة تقنية، بل هو خرق دستوري جسيم ومستمر ونوع من التعطيل الإجباري للدستور. عندما ينص الدستور بدلالة قاطعة على أن البرلمان يتكون من مجلسين، ثم يُهمَل أحدهما عمداً، فهذا يعني أن القانون الأعلى للبلاد قد جرى انتهاكه وتدمير التوازن المؤسسي، إذ لا توجد أي سلطة تعلو فوق الدستور لتقرر تنفيذ أو عدم تنفيذ مادة دستورية.
هذا التعطيل ليس عفوياً بأي حال من الأحوال، بل هو ضغط استراتيجي على إقليم كوردستان وأداة للسيطرة على الصراعات الإدارية والمالية. وبما أن مجلس الاتحاد أُنشئ ليمثل التمثيل الحقيقي للمكونات والأقاليم وليمنع طغيان الأغلبية، فقد مهّد تعطيله الطريق أمام بغداد لنقل كافة المشاكل مثل النفط والموازنة والصلاحيات إلى المحكمة الاتحادية التي تستطيع بسهولة، عبر قرارات مركزية، إضعاف كيان الإقليم. وفي الوقت نفسه، هذه ليست مجرد مشكلة بين أربيل وبغداد، بل هي فراغ تشريعي خطير يهدد محافظات الوسط والجنوب العراقي أيضاً؛ فمتى ما صدر قانون الموازنة وتوزيع الثروات عبر الأغلبية المركزية وحدها، فلن تمتلك المحافظات المنتجة للنفط مثل البصرة وميسان أي سيادة أو ضمانة قانونية للحصول على حقوقها. وعليه، فإن هذا السكوت الدستوري عن المجلس هو بمثابة حق فيتو مخفي ومسيس لتمرير القوانين القاسية ضد الحقوق الفيدرالية.
نتيجة لغياب مجلس الاتحاد الذي كان مفترضاً أن يكون المنصة السياسية والقانونية لتنظيم الخلافات الإقليمية والوطنية، نشأ فراغ كبير؛ هذا الفراغ أجبر المحكمة الاتحادية العليا على النزول إلى الميدان وصياغة القوانين والقواعد عبر الاجتهاد القضائي. وبهذه الطريقة، أدى تعطيل المجلس إلى تحول المحكمة إلى مشرع، وهو ما يقوض مبدأ الديمقراطية والفصل بين السلطات. واليوم، وبعد أن وصل أزمة النفط والغاز والإيرادات إلى طريق مسدود، لو كان هذا المجلس فاعلاً لما احتاجت قضية النفط والغاز إلى كل تلك الاجتهادات الدستورية والقضائية الخطيرة التي تتم خارج البرلمان، بل لكان القانون قد نُظم بشكل متوازن عبر هذا المجلس.
إن وجود اسم المجلس في المادة (٦٥) دليل قاطع على أن تأسيسه إلزامي وليس اختيارياً. أما سبب السكوت الدستوري أو السياسي حياله، فيعود إلى خوف القوى الحاكمة في المركز من تعددية السلطات. فهي لا تقدم على تعديل قانون المجلس أو التصويت على مشروع قانونه، لاعتقادها بأن تفعيل هذا المجلس يعني تضاؤل السلطة المطلقة لمجلس النواب وظهور عقبة قوية في وجه القرارات أحادية الجانب.
في الأنظمة الفيدرالية، هناك نموذج الفيدرالية الألمانية، حيث يمثل المجلس الثاني (Bundesrat) الدور الرئيسي في حماية حقوق الوحدات الإدارية والولايات . فعلى سبيل المثال، في ألمانيا، إذا أرادت الحكومة الاتحادية إصدار قانون يتعلق بصلاحيات الولايات، يستحيل تمريره دون موافقة مجلس الاتحاد . وفي تلك البلدان، وعلى الرغم من نشوء أزمات سياسية، لا تسمح المحاكم الدستورية بتعطيل جهاز دستوري رئيسي محدد في الدستور لعقود من الزمن بشكل تام.
في عمق النظام الدستوري العراقي، أكبر ثغرة ولغز قانوني سمح بهذا التعطيل طويل الأمد هو أن الدستور أوجد في بعض مواضعه نوعاً من الفخ القانوني بين الواجب الحتمي وشرط التنفيذ. على سبيل المثال، ربطت المادة (٦٥) شرط إصدار قانون مجلس الاتحاد بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، وهو ما يمثل ثغرة تقنية عميقة؛ لأنه في نظام سياسي مليء بالصراعات، يعتبر الاستحواذ على ثلثي مقاعد البرلمان أمراً مستحيلاً. وفي نفس الوقت، في الفقه الدستوري، عندما يكتب الدستور فقرة يجب أن تتضمن آلية أو عقوبة لعدم تنفيذها، بيد أن دستور العراق لم يوضح البتة ما هي العقوبة المترتبة إذا أخفق البرلمان في كتابة القانون خلال تلك المدة، مما جعل البرلمان سلطة تعلو على الدستور. وعلاوة على ذلك، أحدث غياب هذا المجلس فراغاً كبيراً في المادتين (١١٠) و(١١٢) المتعلقتين بصلاحيات الحكومة الاتحادية والأقاليم.
تتمثل آثار هذا التعطيل في:
احتكار السلطة التشريعية بالكامل من قبل مجلس النواب، وإضعاف المكانة الدستورية للأقاليم والمحافظات، وتكاثر الأزمات القانونية والقضائية، وفقدان الثقة بدستور ٢٠٠٥.
من منظور قراءتي الخاصة لمعالجة هذا الوضع، تتطلب الخطوات العملية الآتية: تقديم طلب رسمي دستوري من قبل حكومة إقليم كوردستان والقوى السياسية المتزنة إلى المحكمة الاتحادية بغية إجبار البرلمان على إصدار قانون مجلس الاتحاد، وعدم ربط أي اتفاق أو قانون للنفط والغاز بتفعيل هذا المجلس، وبناء لوبي أكاديمي وقانوني بين فقهاء القانون في العراق لإنهاء ذلك السكوت الدستوري، وإعداد مشروع قانون متوازن يمنح المجلس صلاحية كاملة في مراجعة القوانين التي تعتدي على الحقوق الفيدرالية.
المصادر الرسمية والهوامش الدستورية:
(۱)دستور جمهورية عێراق لسنة ۲۰۰٥: منشور في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية)، العدد (٤۰۱۲)، بتاريخ ۲۸/۱۲/۲۰۰٥
(۲) المادة (٤۸) من الدستور العراقي: السلطة التشريعية الاتحادية تتكون من (مجلس النواب والمجلس الاتحادي).
(۳) المادة (٦٥) من الدستور العراقي: خاصة بتأسيس المجلس الاتحادي بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب وتحديد اختصاصاته.
(٤) المادة (٥۰) من الدستور العراقي: خاصة باليمين الدستورية لأعضاء البرلمان لحماية الدستور والقانون.
(٥) قانون العقوبات العراقي رقم (۱۱۱) لسنة ۱۹٦۹: المعدل، الخاص بالجوانب الجزائية لانتهاك الواجبات الرسمية وتعطيل الفقرات الدستورية.
(٦) قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (۳۰) لسنة ۲۰۰٥: وتعديلاته، الخاص بالصلاحيات القضائية الدستورية في البت في الطعون والشكاوى.
(۷) دستور ألمانيا (Grundgesetz – GG): المادتان (٥۰) و(٥۱) اللتان تخصان تكوين ومشاركة المجلس الاتحادي (Bundesrat) في تمثيل الولايات.
(۸)مبدأ الفيدرالية الألمانية وعمل الـ Bundesrat: فقرات القانون الأساسي الفيدرالي في ألمانيا بشأن السلطة المشتركة وشرط موافقة مجلس الولايات على القوانين الاتحادية ذات الصلة.
*رئيس معهد الإصلاح الجنائي كوردستان العراق