أحمد عزة الأعظمي… قلمٌ يقاوم وسيرةُ وطن

محمد علي محيي الدين

وُلد أحمد عزة بن عبد الحميد بن طه جلبي الأعظمي عام 1881 في بغداد، في محلة الأعظمية، حيث انفتحت عيناه على بيئةٍ مشبعة بروح العلم والدين، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا، وتلقّى مبادئ العربية والعلوم الأولى، قبل أن ترافقه الأقدار إلى الحلة، حيث عمل والده، وهناك اتسعت معارفه، فدرس على الشيخ مصطفى الواعظ، فنهل من علوم الدين واللغة والأدب، وتشكلت في تلك المرحلة ملامح شخصيته العلمية المبكرة.

لكن طموحه لم يكن ليقف عند حدود ما هو متاح، فسافر إلى إسطنبول، حاضرة الدولة العثمانية، ليكمل دراسته العالية، ويحصل على شهادة الحقوق، وهناك، في ذلك الفضاء المزدحم بالأفكار والتيارات، تفتحت مداركه على السياسة والاجتماع، وتكوّنت شخصيته بوصفه مثقفًا عضويًا، لا يكتفي بالمعرفة، بل يسعى إلى توظيفها في قضايا أمته.
برز اسمه بين كبار كتاب العراق في العلوم السياسية والاجتماعية، وكان من المؤرخين الذين يُعوّل على روايتهم، ومن الصحفيين الذين جعلوا من الكلمة موقفًا، ومن القلم أداة مقاومة. ولم يكن غريبًا أن يطرق باب الشعر أيضًا، فنشر قصائد في عدد من الصحف، جاءت معبرة عن وجدانه، ومتماهية مع هموم عصره.
في إسطنبول، أسس مع عبد الغفور البدري وعدد من العراقيين مجلة لسان العرب، وهي مجلة علمية أدبية شهرية، حملت روح النهضة، غير أن السلطة الاتحادية لم تحتمل هذا الصوت، فأغلقتها قبيل الحرب العالمية الأولى، واعتقلته، في إشارة مبكرة إلى أن هذا الرجل سيدفع ثمن مواقفه غير مرة.
انتقل إلى دمشق، فأصدر فيها عام 1914 مجلة المنتدى الأدبي، مواصلًا مشروعه الثقافي، غير أن العاصفة السياسية لم تمهله طويلًا، فاعتُقل عام 1915، وسيق إلى الديوان العرفي عام 1916 في زمن الوالي العثماني جمال باشا، المعروف بقسوته، ثم أُطلق سراحه، وكأن التجربة زادته صلابة لا انكسارًا.
ومع انتهاء الحرب، عاد إلى بغداد، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته، فأسس عام 1919 مجلة اللسان، وأسهم في تأسيس فرع لحزب العهد في زمن الاحتلال البريطاني، مؤكدًا حضوره السياسي إلى جانب نشاطه الثقافي. ثم شارك عام 1921 في تأسيس المعهد العلمي في بغداد، إيمانًا منه بأن بناء الأوطان يبدأ من بناء العقول.
دخل المعترك النيابي، فانتُخب نائبًا في أول دورة لمجلس النواب العراقي عام 1922، ثم عاد إلى المجلس في دورته الثانية عام 1934، وهو العام الذي أصدر فيه جريدة الثبات، وكأن الاسم كان انعكاسًا لشخصيته التي لم تتبدل رغم تقلب الأزمنة. وبين ذلك، أصدر عام 1925 مجلة المعرض، مضيفًا لبنة أخرى في صرح الصحافة العراقية.
كان رجلًا وطنيًا بامتياز، لم تقتصر همومه على حدود بلده، بل امتدت إلى الطلاب العرب في تركيا، فكان يرعى شؤونهم وينظم أمورهم، متعاونًا في ذلك مع عزيز علي المصري، في صورة تعكس وعيه المبكر بوحدة المصير العربي.
ترك مؤلفات ذات قيمة، من أبرزها كتاب القضية العربية في ستة أجزاء، وهو عمل يكشف عن عمق نظرته إلى المسألة القومية، وكتاب خلاصة تاريخ العراق منذ أقدم عصوره، الذي أملاه على الأستاذ محمود فهمي درويش، ونُشر ضمن الدليل العراقي الرسمي سنة 1936، وهو نص يعكس اهتمامه بالتاريخ بوصفه ذاكرة للأمة ومرآة لهويتها.
ولم يكن أحمد عزة الأعظمي من أولئك الذين يعيشون على هامش الأحداث، بل كان في قلبها، يكتب ويؤسس ويعارض ويُعتقل، ثم يعود إلى قلمه، كأنما كان يؤمن أن الكلمة أبقى من السيف، وأن أثرها أعمق في الزمن.
توفي في بغداد يوم الأربعاء 22 تموز 1936، وشيّعه الناس في موكب مهيب، ودفن في مقبرة الخيزران، في وداع يليق برجلٍ عاش لوطنه. ولم يُعقب ذرية، غير أن سيرته بقيت نسلًا معنويًا حيًا، تتناقله الأجيال. وكانت زوجته الحاجة نجية الأورفلي، المعروفة بأعمالها الخيرية، شريكة حياةٍ تليق برجلٍ من طينته.
إن أحمد عزة الأعظمي يمثل نموذجًا للمثقف المناضل، الذي لم يفصل بين الفكر والعمل، ولا بين الكلمة والموقف. وقد يكون من الإنصاف القول إن تجربته تختصر مرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث، حيث كانت الصحافة منبرًا للنضال، وكان المثقف في مواجهة السلطة، لا في ظلها.
وحين نستعيد سيرته اليوم، فإننا لا نقرأ تاريخ رجلٍ فحسب، بل نقرأ زمنًا كانت فيه الكلمة فعلًا، وكان فيه القلم موقفًا، وكان فيه الوطن فكرةً تستحق أن يُضحّى من أجلها.

قد يعجبك ايضا