المحكمة العليا الأمريكية بين حياد النص الدستوري وثقل الاستقطاب السياسي

محمد علي الحيدري
واشنطن

تبدو المحكمة العليا في الولايات المتحدة، في هذه المرحلة، وكأنها تقف عند تخوم دقيقة بين وظيفتها التقليدية بوصفها الحَكَم الأعلى في تفسير الدستور، وبين واقع سياسي متزايد الاستقطاب يحاول أن يجرّها شيئاً فشيئاً إلى قلب الصراع الحزبي. فالمؤسسة التي طالما قدّمت نفسها باعتبارها “ما فوق السياسة”، تجد اليوم نفسها موضوعاً للسياسة بامتياز، لا في قراراتها فقط، بل في طريقة تلقي تلك القرارات وتوظيفها أيضاً.

في الأسابيع الأخيرة، أعاد الجدل حول قرارات مرتبطة بالانتخابات وحقوق التصويت طرح سؤال قديم متجدد: هل ما زالت المحكمة العليا قادرة على أداء دورها بوصفها سلطة تفسيرية محايدة، أم أنها باتت تُقرأ، من قبل الفاعلين السياسيين، كامتداد غير معلن لموازين القوة داخل النظام الحزبي الأمريكي؟

المشكلة لا تكمن فقط في مضمون بعض الأحكام، بل في تراكم الانطباع العام بأن التفسير الدستوري نفسه بات يحمل بصمة الاصطفاف الأيديولوجي. وحين يتحول تفسير النص القانوني إلى مادة للانقسام السياسي، فإن الخطر لا يطال المحكمة وحدها، بل ينسحب على فكرة “الدستور” باعتباره مرجعية جامعة فوق الخلافات.

ما يثير القلق أكثر هو أن النقاش لم يعد محصوراً في الأوساط الأكاديمية أو القانونية، بل انتقل إلى الخطاب السياسي اليومي، حيث تُطرح المحكمة أحياناً كطرف في معركة، لا كمرجع لحسمها. وهذا التحول التدريجي يضعف ما يمكن تسميته بـ”رأس المال الرمزي” للمؤسسة القضائية العليا، أي قدرتها على أن تُحترم حتى من قبل من يخسر أمامها.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن المحكمة العليا لم تكن يوماً خارج سياقها السياسي بالكامل. تاريخها حافل بقرارات أعادت تشكيل المجتمع الأمريكي نفسه، من الحقوق المدنية إلى قضايا الفيدرالية وحدود السلطة التنفيذية. لكن الفارق اليوم أن سرعة الاستقطاب السياسي وارتفاع منسوب الانقسام الحزبي جعلا كل قرار قضائي يُقرأ فوراً بوصفه انتصاراً لطرف وهزيمة لآخر، لا بوصفه اجتهاداً دستورياً مستقلاً.

هذا الوضع يضع المحكمة أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على استقلالها في بيئة سياسية لا تمنح مساحة كافية للحياد الرمادي؟ وكيف تُقنع الرأي العام بأن اختلاف التفسير القانوني لا يعني بالضرورة انحيازاً سياسياً؟

إن أخطر ما تواجهه المحكمة العليا اليوم ليس الهجوم المباشر عليها، بل التآكل البطيء لثقة الجمهور في فكرة الحياد القضائي نفسها. فإذا استقر في الوعي العام أن كل تفسير دستوري هو انعكاس لميزان القوى الحزبي، فإن السلطة القضائية تفقد جزءاً أساسياً من شرعيتها المعنوية، حتى لو بقيت شرعيتها الدستورية قائمة.

وفي نهاية المطاف، فإن قوة المحكمة العليا لم تكن يوماً في أدوات التنفيذ التي تملكها، بل في احترام الجميع لفكرة أنها تقف خارج اللعبة السياسية. وأي اهتزاز في هذه الفكرة لا يغيّر فقط صورة المحكمة، بل يعيد تشكيل العلاقة بين القانون والسياسة في النظام الأمريكي بأكمله، على نحو قد تكون آثاره أعمق من أي قرار منفرد تصدره المحكمة نفسها.

قد يعجبك ايضا