عرفان الداوودي
في هذا اليوم الذي يحتفي العالم فيه بالصحفيين، نتذكر أن هذه المهنة ليست مجرد وظيفة، بل رسالة، ومغامرة، ومهمة حضارية، تتطلب شجاعة نادرة والتزامًا بالحق في مواجهة الظلم. فصحافة اليوم ليست فقط نقلًا للأخبار، بل دفاعًا عن الحقيقة وحقوق المواطنين، وفضح الفساد، ومواجهة الاستبداد.
لكن الواقع المؤلم يقول إن الصحفيين حول العالم يعيشون في مهنة المتاعب، يواجهون القمع والمضايقات والتعسف، ويُستهدفون بالاعتقال والترويع وحتى القتل. وفق تقرير منظمة مراسلون بلا حدود 2025، قتل أكثر من 60 صحفيًا حول العالم في العام الماضي وحده أثناء ممارسة مهنتهم، فيما تعرض مئات آخرون للتهديد والاختطاف والتشويه المهني.
وفي العديد من الدول، ما تزال الصحافة تُعامل كعدو من قبل السلطات التي لا تفهم أن حرية الإعلام هي حجر الزاوية لأي مجتمع ديمقراطي. الصحفيون يُطردون من عملهم، تُغلق مؤسساتهم، ويُحرَمون من حقوقهم القانونية والمادية، ويُترك آلاف منهم بلا دخل أو ضمان اجتماعي، رغم سنوات من العطاء المهني. هذا الواقع يُخلّف جيلًا من الصحفيين المستنزفين، الذين يعانون من شظف العيش وغياب التقدير، بينما تزداد التحديات الاقتصادية والمعيشية في عصر الغلاء العالمي والتقلبات الاقتصادية.
كما أن غياب الحماية القانونية والمهنية للصحفيين يُحوّل المهنة من رسالة سامية إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. فالصحفي الذي يكشف فسادًا أو يفضح انتهاكًا لحقوق الإنسان غالبًا ما يُعاقب، بينما تتحايل مؤسسات السلطة على حقوقه، ما يخلق فجوة كبيرة بين الدور الأخلاقي للصحافة وبين الواقع العملي الذي يعيشه العاملون فيها.
اليوم، لا ينبغي أن يكون الاحتفاء بالصحفيين مجرد طقوس، بل صرخة مدوية لإنهاء الظلم والاضطهاد، وضمان حماية الحقوق المادية والمعنوية، وتوفير بيئة مهنية مستقلة تُمكّن الإعلاميين من القيام بدورهم دون خوف أو ضغوط. علينا أن نطالب بوضع قوانين تضمن الحقوق المادية، التأمين الصحي، التقاعد اللائق، والحماية من التعسف والاضطهاد.
فالصحافة ليست مهنة بسيطة، بل مهنة الشجاعة والمبادئ، وحق المجتمع في المعرفة. وعندما نحمي الصحفي، فإننا نحمي الحقيقة، ونصون الحقوق، ونقوي أساس العدالة. لهذا يجب أن تتحول كلمتنا اليوم إلى رسالة واضحة: احترام الصحافة وحماية الصحفيين واجب إنساني، لا رفاهية سياسية.