ارتعاشة الخريف: حين يتلو العمرُ سيرة الوجع

محمد خالد الجبوري 

ثمة لحظة في عمر الزمن، لا هي بالليل فتمحوه الظلمة، ولا هي بالنهار فيجليه الضياء، بل هي “ارتعاشة الخريف”. تلك اللحظة التي لا تقف عند حدود تساقط الأوراق الصفراء، بل تعلن بصرامةٍ لا تلين عن نهاية رحلةٍ وبداية سفرٍ طويل نحو المجهول؛ فلا الطلُّ يعيد الحياة للعروق اليابسة ، ولا الندى يرمم انكسار الغصن ، وحتى زخات المطر تبدو كدموعٍ باردة تواسي جسداً أضناه المسير. إنها الحقيقة العارية؛ ما كان حلواً من العمر مرَّ كخطفةِ برقٍ أو لمح بصر، أما مرُّه فكان ثقيلاً ، أقسى من جمر النار وأعتى من صلابة الحديد والحجر . في هذه الارتعاشة ، تصبح الوجوه كتاباً مفتوحاً يقرأه الخريف بتمعن ، فيفرز الخبيث من الطيب بـ “سيماهم” ؛ فهناك وجوهٌ فاضلة، تخمرت بالخير وطيب الأثر فصارت كالورد يفوح عطرها وإن ذبلت ، وعلى النقيض ، ثمة وجوهٌ كالحظ العاثر، كالغربان التي عقّت مربيها ، لم تحفظ شيبةً ولا رعت كِبَراً، فاستحالت قلوبهم وأجسادهم إلى أكوامٍ من حجرٍ صلد لا نبض فيه . ويخطئ من يظن أن الخريف وحده المسؤول عن ذبول الروح ؛ فكم من ربيعٍ كان خديجاً ، وكم من صيفٍ وشتاءٍ اختطفا منا أحبةً قبل الأوان ، لكن خريف العمر يأتي بنذره الواضحة من شيبٍ يغزو الرأس ، وسمعٍ يضعف، وبصرٍ يتلاشى ، ليؤذن بأن قطار العمر قد بلغ محطته الأخيرة . في هذا القطار ، يجلس الإنسان أمام نافذة الذاكرة ، يستعرض مشاهد تسرُّ النظر ، وأخرى بلغت من القسوة ما جعل الحجر يبكي لها؛ يتذكر أطيافاً من الجمال والعز من “نجف” السكينة التي فاقت بحسنها البدو والحضر ، إلى “قادسية” الصمت والبوح ، وصولاً إلى “فيحاء” البصرة ، حيث كان النديم يحلو معه السهر قبل أن يحني الزمان ظهره ويحيله شيخاً يئنُّ تحت وطأة الذكريات . وتتعاظم الارتعاشة حين تمر صور الراحلين كشريطٍ من الجمر ؛ فيرحل “السيد” غريباً مكسور القلب من هموم الدنيا وجحود الأبناء، ليؤكد الحكمة المرة بأن قلب الوالد رقيق وقلب الابن من حجر . وتتوالى النعاوات عن أصدقاء كرام رحلوا . تزدحم الذاكرة بأسماء الراحلين : يحيى ، علي ، محمد، عزيز ، أحمد ، فرمان ، ووعد.. شبابٌ ذابوا في ذكر الله، مضوا وتركوا في القلب غصة لا تزول. ثم تأتي الطعنة الأقرب؛ “أبو عمر”، الأخ الذي أُردي مضرجاً بدمه في طريق الرحيل ، في مشهدٍ لا يدمي النظر فحسب ، بل يدمي الوجود كله . وعلى قمة هذا الهرم من الأحزان ، تقبع الغصة الكبرى برحيل الابنة ، “الروح والقلب والنظر”، فمنذ تلك اللحظة التي خلت فيها الدار من ضحكتها ، انكسر شيءٌ لا يجبر. لذا، يا صديقي، حين تراني اليوم شاحباً ، لا تسألني كيف تلاشى بصري ، ولا كيف ذبلت ملامحي ؛ إنها ارتعاشة الخريف التي لم تكتفِ بهز الشجر، بل زلزلت أركان الروح، وأسدلت الستار على حكايةٍ كانت يوماً تضجُّ بالحياة، فلم يبقَ منها سوى دمعةٍ تحجرت في المآقي ، وذكرى تسكن تحت الثرى .

قد يعجبك ايضا