مأزق الشرعية: العراق بين مطرقة الدستور وسندان المحاصصة

صلاح بكر/اربيل

يمر العراق اليوم بواحدة من أصعب منعطفاته السياسية منذ عام 2003، حيث يقف النظام السياسي أمام اختبار حقيقي لمدى صمود وثقته الدستورية في وجه “تسونامي” الخلافات الحزبية والمصالح الضيقة. إن تأخر تشكيل الحكومة ليس مجرد خلل فني في ماكنة السلطة، بل هو تجسيد لشرخ عميق في بنية التوافق والتوازن والمشاركة، مما يهدد بدفع البلاد نحو هاوية “الفراغ الدستوري” الذي لا تحمد عقباه.

المأزق القانوني وشبح الفراغ الدستوري:
من الناحية القانونية، حدد الدستور العراقي 2005. التوقيتات الحاسمة لانتخاب الرئاسات الثلاث. ومع تجاوز هذه المدد، يرى خبراء القانون أن البلاد دخلت فعلياً في مرحلة “اللاعودة” الدستورية، حيث تتحول الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال مصغرة منقوصة الصلاحيات، بينما يبقى مجلس النواب في حالة شلل تشريعي. وهنا يبرز دور المحكمة الاتحادية العليا، التي باتت “بيضة القبان” والملجأ الأخير لفك الاشتباك وحلحلة الازمة، رغم أن قراراتها غالباً ما تصطدم بجدار الرفض السياسي إذا ما مست مصالح الكتل المتنفذة. إن دور المحكمة في هذه المرحلة يتجاوز التفسير القانوني بين السلطات ليصل إلى محاولة الحفاظ على كيان الدولة من الانهيار التام.

إخفاق الإطار التنسيقي:
ان أخفاق الإطار التنسيقي الشيعي في حسم مرشحه لرئاسة الوزراء، تكمن في غياب الرؤية الموحدة وتعدد الاقطاب داخل البيت الواحد. فالإطار ليس كتلة صماء، بل هو تحالف قوى متنافرة أحياناً، تتصارع على مغانم السلطة والنفوذ. هذا الإخفاق يعكس أزمة ثقة عميقة، حيث يخشى كل طرف أن يؤدي صعود شخصية معينة إلى إضعاف نفوذه أو تهميش دوره في المرحلة المقبلة، مما جعل “الفيتوات” المتبادلة سيدة الموقف، وهو ما يعطل مصالح الملايين من العراقيين الذين ينتظرون خدمات وحلولاً لمشاكلهم المتراكمة.

رئاسة الجمهورية.. غياب التوافق الكوردستاني وازدواجية المعايير:
تثير قضية انتخاب السيد نزار آميدي لرئاسة الجمهورية تساؤلات جوهرية حول معايير “التوافق ، التوازن والشراكة” التي بنيَ عليها النظام السياسي العراقي بعد 2003. فبينما يتم الإصرار على “الإجماع السني” في اختيار رئيس البرلمان من خلال المجلس السياسي للقوی السنية (كما حدث مع السيد هيبت الحلبوسي)، و”الإجماع الشيعي” الاطار التنسيقي في اختيار رئيس الوزراء، نجد أن منصب رئيس الجمهورية قد مُرر في ظل غياب التوافق الحقيقي بين القوى الكوردستانية. إن تمرير مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني دون الوصول إلى صيغة تفاهم مشتركة مع القوى الكوردستانية الفاعلة الأخرى، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، يمثل خروجاً عن العرف السياسي المتبع (الشراكة، التوافق والتوازن) وتجاهلاً للوزن الانتخابي والسياسي، والذي بدوره يعمق الفجوة بين القوی السياسية مما يؤثر سلباً على استقرار الشراكة الوطنية.

إصلاح المنظومة الانتخابية:
إن المخرج من هذا الانسداد يتطلب جراحة قانونية جريئة قبل حل مجلس النواب، تبدأ بإصلاح الأدوات الانتخابية. حيث نری ضرورة تعديل قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (31) لسنة 2019 (وتعديلاته) لتشكيل مجلس مفوضين جديد يعتمد على الكفاءات والمختصين الفنيين بدلاً من المحاصصة القضائية التي أثبتت التجربة قصورها في طمأنة الشارع. كما يجب تعديل قانون انتخابات مجلس رقم (4) لسنة 2023، بشكل يلبي تطلعات المواطنين. كما يجب مراعاة المادة 140 من الدستور العراقي في تعديله.

نحو فجر جديد:
إن الاستمرار في نهج “الترقيع” السياسي سيؤدي حتما إلى انهيار ما تبقى من شرعية النظام. نعتقد ان الحل الأمثل في هذه المرحلة يكمن في خارطة طريق وطنية تبدأ بتشكيل حكومة تصريف أعمال مصغرة ذات مهام محددة، تليها خطوة شجاعة بـ حل مجلس النواب والذهاب نحو انتخابات مبكرة. إن العراق اليوم بحاجة إلى عقد اجتماعي وسياسي جديد يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة، ويحرر ومستقبل القرار الوطني من قيود الأجندات الخارجية والمصالح الفئوية، هو المعيار الوحيد للحكم الرشيد. وبخلاف ذلك، سيظل العراق يدور في دوامة من الأزمات التي تلتهم مستقبل أجياله القادمة، مما يهدد بتقويض الاستقرار الإقليمي والدولي، مما يضعف من قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصاديه والأمنيه المتزايدة. إنها لحظة تاريخية تتطلب من القوى السياسية الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وتقديم مصلحة العراق وشعبه على المصالح الحزبية الضيقة، لضمان مستقبل مزدهر ومستقر للأجيال القادمة. هذا هو السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق المعقّد نحو فجر جديد من الاستقرار والازدهار.

قد يعجبك ايضا