الشرق الأوسط لا يحارب من أجل الحدود، بل من أجل قواعد اللعبة الجديدة

د. جوتيار تمر  

عندما ننظر إلى الحرب الجارية في الشرق الأوسط، فإننا لا نتابع مجرد تبادل تقليدي للنيران بين خصوم معروفين، بل نعاين لحظة أعمق تتعلق بإعادة تعريف مفهوم القوة في الإقليم. لم تعد المسألة تختزل في حجم الترسانة العسكرية أو قدرة الردع المباشر، بل باتت ترتبط بقدرة الفاعلين على تحويل الفوضى إلى أداة سياسية، وعلى إدارة الزمن النفسي للصراع بقدر إدارة الميدان نفسه، الخطأ الشائع في كثير من التغطيات يكمن في التعامل مع الحرب بوصفها حدثا منفصلا، في حين أنها تمثل حلقة ضمن مسار أطول لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، هنا، تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة، والردع مع الاقتصاد، والتحالفات مع العقوبات، والميدان العسكري مع الفضاء السيبراني؛ ومن ثم، فإن السؤال الأعمق لم يعد: من بدأ ومن رد؟ بل: من يمتلك القدرة على التأثير في شكل النظام الذي سيتشكل بعد هذه الحرب؟.
لم تعد الحرب، في صورتها الراهنة، تقليدية بالمعنى الكلاسيكي. فهي لا تدار فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضا بالطائرات المسيرة، والهجمات السيبرانية، وأدوات الاستنزاف الاقتصادي والنفسي، وإلى جانب ذلك، يبرز عنصر غالبا ما يهمل في التحليل، هو المياه بوصفها أداة ضغط غير مباشرة، فالتوترات المرتبطة بتدفقات نهري دجلة والفرات، والسياسات المائية الإقليمية، تكشف أن التحكم بالموارد قد يوازي في تأثيره بعض أدوات القوة الصلب،اليوم، قطرة ماء قد تساوي قنبلة، وفي سياق مواز، اتجهت بعض الدول إلى الاستثمار في الأمن الغذائي خارج حدودها، في مؤشر على إدراك مبكر لطبيعة التحديات القادمة، نحن، إذا، أمام نمط من الصراع يميل إلى الإطالة لا الحسم، حيث يصبح تقليل الخسائر الداخلية هدفا لا يقل أهمية عن إلحاق الضرر بالخصم، وتتحرك القوى ضمن مساحة رمادية بين الحرب الشاملة والسلم المستقر.
لا تحسم المعارك اليوم في الجغرافيا وحدها، بل في وعي الفاعلين وإدراكهم، القدرة على خلق قدر من الغموض المقصود – سواء عبر تأخير تبني العمليات أو نفيها – أصبحت أداة لإدارة التصعيد، بعض أنماط السلوك العسكري تعكس ما يمكن وصفه بـ”الانتظار المسلح”، حيث لا يكون الرد فوريا، بل مؤجلا لتحقيق أثر نفسي مضاعف،في هذا السياق، لم يعد الضغط مقتصرا على الجيوش، بل يمتد إلى المجتمعات، حيث تتحول إدارة القلق والتعب العام إلى عنصر في الحسابات الاستراتيجية، وهذا ما يفسر جزئيا استمرار حروب لا تنتهي بانتصارات حاسمة.
بالنسبة لدول الخليج، لا تقرأ هذه الحرب من زاوية عسكرية فحسب، بل من منظور اقتصادي وسيادي معا، فالتصعيد الواسع يهدد استقرار أسواق الطاقة، وثقة المستثمرين، وأنماط الحماية الدولية، لكنه قد يفتح في الوقت ذاته نوافذ لإعادة تموضع إقليمي، لذلك يظهر سلوك مزدوج: خطاب تهدئة في العلن، يقابله استعداد محسوب لمواجهة سيناريوهات عدم الاستقرار، هذه المقاربة لا تعكس تناقضابقدر ما تعبر عن انتقال في نمط التفكير، من ردود الفعل السياسية إلى إدارة المخاطر بمنطق أقرب إلى إدارة المحافظ الاقتصاد، الخليج اليوم لا يراهن على الفائز، بل على من لا يخسر.
أما على مستوى الفاعلين الإقليميين، فتختلف زوايا النظر دون أن تنفصل عن منطق الاستنزاف، تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على معادلة ردع تمنع تهديد بيئتها الأمنية، مع محاولة إعادة رسم حدود هذا الردع كلما سنحت الفرصة،في المقابل، تميل إيران إلى تبني مقاربة تقوم على توزيع الضغط عبر مساحات متعددة، بما يحد من قدرة الخصوم على تحقيق إنجاز سياسي واضح وسريع، وبين هذين المنظورين، تتحرك تركيا ضمن معادلة معقدة تمزج بين اعتبارات الأمن الحدودي، والملف الكوردي، والضغوط الاقتصادية الداخلية، ما يدفعها إلى تجنب الانفجار الشامل مع السعي إلى إعادة التموضع كلما تغيرت موازين القوى.
يعود أحد أسباب تحول الحروب في المنطقة إلى صراعات طويلة إلى إدراك متزايد لدى بعض الفاعلين بأن الحسم الكامل قد يفتح الباب أمام فراغات يصعب التحكم بها، سواء عبر صعود جماعات مسلحة أو تدخلات خارجية مباشرة، من هنا، يظهر نمط من “إدارة التوازن الهش”، حيث لا يكون الهدف تحقيق نصر نهائي بقدر ما هو منع الخصم من تحقيق نصر مماثل، هذه المقاربة لا تعني غياب الصراع، بل إعادة تعريفه ضمن حدود يمكن السيطرة عليها نسبيا.
غير أن الخطأ في النقاش العام يكمن في افتراض أن نهاية العمليات العسكرية تعني نهاية الحرب، في الواقع، غالبا ما تبدأ المرحلة الأكثر تعقيدا بعد وقف إطلاق النار: إعادة الإعمار، وضبط الترتيبات الأمنية، وإعادة توزيع النفوذ، وإعادة إنتاج الشرعية السياسية، وهذه كلها عناصر تكشف أن القيمة الحقيقية للحرب لا تتحدد فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بما تتيحه من فرص لإعادة تشكيل النظام الإقليمي.
إن ما نشهده اليوم يمكن قراءته بوصفه إحدى أبرز تجليات التحول في أنماط الصراع في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الأدوات الصلبة والناعمة، وتتراجع فكرة الحسم لصالح إدارة الصراع، لم تعد الحدود وحدها هي محور النزاع، بل أصبحت الموارد، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والوعي المجتمعي عناصر أساسية في معادلة القوة، لذلك، فإن فهم هذه الحرب لا يكتمل عبر تتبع خطوط النار فقط، بل عبر قراءة ما يجري تحتها: إعادة توزيع بطيئة، لكنها عميقة، لمصادر القوة، . وفي هذا المستوى تحديدا، يتحدد من سيملك القدرة على الإسهام في صياغة النظام الإقليمي القادم،  في الشرق الأوسط، لا تحسم الحروب بمن يطلق النار أولا، بل بمن ينجح في كتابة قواعد ما بعد النار.
 

قد يعجبك ايضا