ابراهيم منيب الباججي سيرة شاعرٍ بين الوظيفة والخيبة والحنين

محمد علي محيي الدين

في بغداد، المدينة التي تتقاطع فيها الأزمنة كما تتقاطع الأزقة، وُلد إبراهيم منيب أحمد سليم الباججي سنة 1875، في بيتٍ عريقٍ يمتد نسبه إلى بطن العبدة من عشيرة شمر، تلك التي تضرب جذورها في صحراء نجد، لكنها وجدت في بغداد مقامًا وذاكرة. نشأ في كنف أسرةٍ أولته عناية خاصة، فكان أصغر أولاد أبيه، مدللًا في حضن الرعاية، لكنه لم يخلُ من تقلبات القدر التي سترافقه طيلة حياته.
بدأ تعليمه في الكتاتيب، حيث خطّ أولى حروفه، وتلقّى مبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى دروسٍ خاصة على أيدي معلمين أوكلهم إليه والده، قبل أن يلتحق بالمدارس الحكومية. غير أن حادثةً بدت عابرة – ضربة معلم – تركت أثرًا بالغًا في صحته، فانقطع عن الدراسة، وكأن القدر أراد أن يخرجه من المسار المألوف إلى دروبٍ أخرى أقل انتظامًا وأكثر وعورة. في تلك المرحلة، كان لأخيه عبد القادر أثر بالغ، إذ لازمه ورعاه، ورافقه حتى في عمله، فكان له سندًا وعضدًا.
وبوساطة أخيه، دخل ميدان الوظيفة كاتبًا في قلم ولاية بغداد، حيث أخذ يتدرج في العمل الإداري، غير أن طموحه كان أبعد من حدود الوظيفة. ففي عام 1895، استقال وعزم على السفر إلى إسطنبول، طامحًا إلى دراسة الحقوق، لكن المرض سبقه، فعطّله عن تحقيق مراده، ثم أعاقته ظروف عائلية عن المحاولة الثانية. هناك، في إسطنبول، لم يذهب وقته سدى، إذ كتب رسالته بالتركية العثمانية “استنانبولدن نصل كلدم”، ضمنها مشاهداته وانطباعاته، وكأنها تعويض عن حلمٍ لم يكتمل.
عاد إلى بغداد، واستأنف حياته الوظيفية، متنقلًا بين الدوائر، حتى بلغ درجة “رفيق ثالث” في قلم الولاية، وبقي في عمله حتى عام 1906، حيث استقال مرة أخرى، وهذه المرة ليتفرغ للأدب والصحافة. دخل عالم الكلمة، فكتب المقالات والقصائد، وساهم في الصحف والمجلات، قبل أن يُقدم على إصدار مجلته “الرياحين”، التي لم يكتب لها الاستمرار، إذ أُغلقت بأمر المجلس العسكري خلال الحرب العالمية الأولى، في واحدة من تلك الخيبات التي تلاحق أصحاب الكلمة في الأزمنة المضطربة.
بعد انطفاء مشروعه الصحفي، اتجه إلى الزراعة، وكأنه يبحث عن ملاذٍ في الأرض بعد أن ضاقت به صفحات الورق، لكنه لم يُحسن هذا المجال، فخسر أمواله، وعاد مضطرًا إلى الوظيفة. ففي عام 1917، عُيّن مفتشًا في الشرطة من قبل الإدارة البريطانية، لكنه لم يلبث أن استقال بعد أشهر قليلة، ليعود مرة أخرى إلى العمل الإداري، حيث عُيّن عام 1921 كاتبًا في دائرة الأحكام التابعة لوزارة الدفاع، واستمر فيها متنقلًا في درجاتها حتى عام 1937، حين أُحيل إلى التقاعد، ثم أُعيد إلى وظيفته في العام نفسه، وكأن الوظيفة كانت قدره الذي لا فكاك منه.
وفي الثالث من تموز عام 1948، أسدل الستار على حياةٍ حافلة بالتقلبات، فرحل في بغداد التي وُلد فيها، ودُفن في ترابها، بعد أن ترك وراءه آثارًا أدبية متفرقة، منها “التبصرة لمتولعي الخمرة”، و”نزهة الأحداق في مباحث السباق”، و”زنابق الحقل”، فضلًا عن مجموعته الشعرية، ورسالته العثمانية التي دوّن فيها مشاهداته في إسطنبول.
لقد كانت حياة إبراهيم الباججي مثالًا لإنسانٍ عاش بين حدّين: حدّ الطموح الذي لم يكتمل، وحدّ الواقع الذي كان يعيده دومًا إلى نقطة البداية. تنقّل بين الوظيفة والأدب، بين الصحافة والزراعة، بين الحلم والخيبة، لكنه ظلّ وفيًّا للكلمة، يكتبها حين تضيق به السبل، وكأنها ملاذه الأخير في عالمٍ لا يثبت على حال.

قد يعجبك ايضا