عزيز ملا هذال
إنَّ مؤشرَ نجاحِ الزواجِ لا يكمنُ في غيابِ الخلافاتِ،بل في هندستِها؛ فالحاجةُ ملحةٌ لتبني مفهومِالخلافِ الآمنِ الذي يجعلُ العلاقةَ أكبرَ من المشكلةِ. عبرَ البدايةِ الناعمةِ وانتقادِ السلوكِ لا الهويةِ،والاستماعِ للفهمِ لا للردِ، يتحولُ النزاعُ من معولِهدمٍ إلى أداةِ بناءٍ تكشفُ احتياجاتِ الشريكِ وتحميالمصلحةَ العليا للأسرةِ من لظى الخصامِ…
في حياتنا يعد الخلاف مشكلة واقعية وطبيعية ولايمكن الهروب منها، والخلاف يعد من أعقد المشاكلالتي تعاصر أبناء آدم وتجعل منهم متناحرين ولايمكن إنكار ذلك ولا تغافله لكن ذلك لا يعني مطلقاً أننستسلم له خاضعين منكسي رؤوسنا لا نملك حولاًولا قوة، وهذا الواقع ينطبق على العلاقات الزوجيةفإنها لا تخلو من الخلافات التي يمكن أن تمر بأمانويمكن أن تهدم صومعة العلاقة، فكيف يمكن أن نديرأزماتنا الزوجية بأمان؟
مفهوم الخلاف الآمن لا يعني الاتفاق الدائم، بليعني أن يطمئن الطرفان إلى أن العلاقة أكبر منالمشكلة، هو إدراك لا واعٍ بأن كشف نقاط الضعفأو التعبير عن الغضب لن يؤدي إلى التخلي أوالإهانة أو التحطيم النفسي، فالمرونة في السعيلحل الخلافات وتغليب المصلحة العليا هي من تحلالأمان الزوجي وليس العكس. الكثير من الخلافاتوالمشكلات الزوجية التي تحدث هي نتاج اختلافالأمزجة وليس من الضروري أن يكون هناك خطأكبير يستدعي الصدام، فقد يكون مزاج أحدالزوجين حاداً مما لا يترك مساحة للتفاهم بينمامزاج الآخر عنيد وهكذا تتعارض الأمزجة وينشألدينا شيء اسمه مشكلة أو خلاف، والدليل أنهماسيتصالحان بعد ساعات أو أيام قليلة بمجرد تنازلأحدهما عن بعض ما يتمسك، وهو ما يعزز فكرة أنالإنسان بيده أن يبقى في منطقة الأمان أومغادرتها.
في هذا الخصوص يعتقد علم النفس الاجتماعي أنمؤشر نجاح الزواج ليس في غياب الخلافات بل فيهندسة الخلاف، فالخلاف في حد ذاته ظاهرةصحية تعكس حيوية العلاقة ووجود شخصيتينمتمايزتين، لكنه يتحول إلى معول هدم حين يفتقرإلى مظلة الأمان النفسي التي تحمي الطرفين ومايتبعهما من الاكتواء بلظى شجن الخلافات الزوجيةالمدمرة ذات الأضرار الوخيمة.
ما هي أبرز قواعد الخلاف الآمن بين الأزواج؟
بعض السلوكيات التي سنشير إليها تعد أدوات فعالةوسليمة لإبقاء الأزواج في منطقة الأمان، تحاطمنطقة الخلافات بجدار يمنع من انتشار الناروتفاقمها، ومن أبرز هذه القواعد ما يلي:
أولى القواعد التي تؤسس للخلاف الآمن فيالعلاقات الزوجية هي قاعدة البداية الناعمة، إذ إنالطريقة التي يبدأ بها النقاش في أول ثلاث دقائقتحدد غالباً النتيجة النهائية له، البداية الهجوميةالتي تبدأ بكلمة أنت دائماً، أو أنتِ أبداً تضع الطرفالآخر في وضعية الدفاع التلقائي، والأفضل البدءبشرح الشعور الذي ينتاب أي طرف نتيجة هذهالمشكلة وبالتالي ينتقل التركيز من نقد الشخصيةإلى شرح الاحتياج.
القاعدة الثانية للخلاف الآمن هي انتقاد السلوكوليس الهوية، فحين تقول لزوجتك بأن تصرفك فيهذا الموقف أزعجني على سبيل المثال فإنك تفتح باباًللتصحيح، أما وصف الشريك بوصف مستفز فهوحكم مؤبد يغلق طرق الحل ويدفع الطرف الآخر لردالصاع صاعين إن تمكن أي طرف من الرد.
والقاعدة الثالثة هي قاعدة فصل الفعل عن الذات،حيث يقول علم النفس الاجتماعي “يقع الكثيرون فيفخ خطأ العزو الأساسي، حيث نفسر خطأ الشريكبأنه نابع من عيوب في شخصيته، بينما نفسرأخطاءنا بأنها ناتجة عن ظروف خارجة“، وهذهالمفارقة تفاقم المشكلة بدلاً من تحلها لذا يجبالابتعاد عنها.
والقاعدة الرابعة هي قاعدة الاستماع من أجل الفهملا الرد، فنحن الأزواج في خلافتنا التقليدية لانستمع إلى شريكنا كثيراً بل ننتظر بصمت حتىينتهي لنلقي بدفاعاتنا، لكن الخلاف الآمن يتطلبالاستماع إلى الشريك جيداً سيما في أوقاتالمشكلات لنتأكد من أننا فهمناه بشكل صحيح قبلأن نرد عليه لا ليكون الرد من أجل الرد فقط.
إن تبني قواعد الخلاف الآمن في العلاقة الزوجيةيحول النزاع من معول هدم إلى أداة بناء تكشف لناجوانب خفية من احتياجات شركائنا، فالمصلحةالعليا للعلاقة هي البوصلة التي يجب أن توجهنادائماً للبقاء في منطقة الأمان، بعيداً عن لظىالخصام الذي لا يورث إلا الشجن.