في الرابعة والسبعين ما كنت سأغيّره لو عادت الحياة؟

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

لو عادت بي الحياة إلى بدايتها، فلن أختارها كما عشتها، ولن أكرر كثيرًا من طرقها وأخطائها. أقول ذلك في الرابعة والسبعين، لا جحودًا بما منحتني الحياة، ولا تنكرًا لما حققته، بل لأن في الذاكرة عثرات ما زلت عاجزًا عن الإفلات الكامل من ندمها.
خرجت من نصران، قريتي الصغيرة في غربي كوردستان، وعبرت مدنًا وبلدانًا وقارات. درست في نصران وقامشلو ودمشق وخاركوف وموسكو، ثم استقر بي المطاف في هيوستن، وبقي شيء من قريتي يسافر معي أينما ذهبت. أقمت شهورًا على سواحل بحار مختلفة، وتسلّقت جبال عدة، ولم أعبر تلك الأمكنة سائحًا عابرًا؛ بل عشت تفاصيلها، وتأملت طبيعتها، وتعرّفت إلى أناس من أجناس وثقافات متعددة، وبنيت صداقات عميقة مع رجال ونساء، وسهرت ليالي واحتفلت بأعياد نوروز ورأس السنة بين الأهل والأحبة والعائلة والأطفال. وكان لكل بلد مذاقه، ولكل بحر سره، ولكل وجه أثره الذي لا يشبه أثرًا آخر.
قرأت كثيرًا، ودرست اللغات، وكتبت من الكتب والمقالات ما ملأ جانبًا كبيرًا من عمري. لم تكن الكتابة عندي مهنةً أو زينة ثقافية، بل وسيلة لفهم العالم ومقاومة الظلم والنسيان. كتبت عن الكورد وكوردستان، وعن الاستبداد والدين والعقل والتاريخ، لأن الصمت أمام ما أراه لم يكن يومًا من صفاتي.
كنت في الخامسة عشرة أتمنى أن أحصل على أعلى الشهادات، وقد تحقق ذلك الحلم. قطعت وعدًا لذلك الفتى الصغير وظللت أسير نحوه حتى بلغته. حققت الكثير، وربما أكثر مما كان قادرًا على تخيله، لكنني، في الطريق، انشغلت بالمعرفة والشهادات والكتابة والقضايا الكبرى، ولم أمنح بعض ضرورات الحياة العملية، وفي مقدمتها المال والاستقرار المادي، ما تستحقه من اهتمام. لم يكن ذلك زهدًا كاملًا ولا عجزًا، بل خللًا في ترتيب الأولويات لم أدركه إلا بعدما أصبح إصلاح بعض ما فات أصعب من فهمه.
وهذا أكثر ما يؤلمني اليوم: ليست الأخطاء وحدها، بل وصول أسبابها إليّ بعد فوات أوانها. كنت أفهم الدرس بعد أن أدفع ثمنه، وأرى الباب الصحيح بعدما أغادر الممر، وأمتلك الحكمة المطلوبة بعد انتهاء اللحظة التي كانت تحتاج إليها. كنت ألاحق المعرفة، ثم اكتشفت أن كثرتها لا تصنع الحكمة دائمًا؛ فقد يقرأ الإنسان مئات الكتب، ويتقن لغات عدة، ويحصل على أعلى الشهادات، ثم يبقى غافلًا عن تفصيل صغير قادر على تغيير مصيره.
بعض أخطائي لم يكن نتيجة تقاعس أو إهمال، بل نتيجة عدم الدراية بتشابك الحياة وعجز الوعي آنذاك عن رؤية العواقب المختبئة في البدايات. وما تزال بعض تلك اللحظات تعود إليّ حيّة، لا كذكريات باردة، بل كمشاهد تستعيد وجعها كاملًا. أستحضر نفسي القديمة، وأقول لها ما كان ينبغي أن تعرفه، ثم أحاول إنصافها لأنها لم تكن تملك يومها أدوات الفهم التي أمتلكها الآن. ومع ذلك، لا ألبث أن أعود إلى تعنيفها: لماذا تقاعست هنا، وسهوت هناك؟ لماذا اخترت الصمت وفي داخلك قوة الجواب؟ لماذا لم تنتبه إلى ما كان يُدبَّر لك، مع أن علاماته تبدو اليوم شديدة الوضوح؟ ولماذا غلبت طيبتي الحزمَ في مواقف كانت تحتاج إلى ردّ صارم؟ لم تكن الطيبة ضعفًا، لكنني أخطأت عندما تركتها بلا حدود، فقرأها بعضهم عجزًا واستغلها آخرون ضدي. ولماذا تركت لحظات حاسمة تمرّ، وهي تحمل في طيّاتها احتمال تغيير مسار حياتك؟
تتوالى أسئلة «لماذا» بلا نهاية، كأنني أحاكم رجلًا مضى بعقل رجلٍ وصل متأخرًا إلى الحقيقة. وما أقسى أن يمتلك الإنسان الجواب بعدما ينتهي السؤال، وأن يرى الطريق بوضوح بعدما يصبح الرجوع إليه مستحيلًا. وقد يمتد ذلك الصراع حتى يحرمني النوم، فالماضي لا يعود دائمًا ليحكينا؛ أحيانًا يعود ليحاكمنا بعقل لم يكن حاضرًا ساعة وقوع الخطأ.
لكن للرابعة والسبعين مناقبها أيضًا. فقد منحتني القدرة على فهم الأسباب، ورؤية بعض الأخطاء قبل وقوعها، ووضع حدٍّ لتلك المحاكمات الداخلية. ليس من العدل أن أحاكم شابًا بعقل رجل بلغ الرابعة والسبعين، ولا من الحكمة أن أهدر ما تبقى من هدوئي عقابًا على زمن لم يعد موجودًا.
لقد عشت كثيرًا مما تمنيت. امتلأت حياتي بالبلدان والبحار والكتب واللغات والصداقات والأهل والأحبة والأطفال والنجاحات. عشت الغربة والانتماء معًا، وحملت كوردستان في داخلي وأنا أعبر خرائط العالم. وما غاب عني لم يكن دائمًا لأن الحياة بخلت به، بل لأنني أخطأت الطريق إليه أحيانًا، أو لم أمتلك الوعي الكافي لبلوغه.
فما الذي كنت سأغيّره لو عادت الحياة؟
كنت سأغيّر الكثير، وفي مقدمة ما سأغيّره علاقتي بالحب. لم أسمح لنفسي أن أقع فيه كما ينبغي؛ فقد كنت أرى كثيرًا من العلاقات عابرة وآنية، وأبحث عن عشق خالد لا تهزّه الأيام. انتظرت الإنسانة التي تستطيع أن تملأ ذلك الفراغ العميق في داخلي، لكنها لم تظهر بالصورة التي رسمها خيالي، أو لعلها ظهرت ولم أعرفها في الوقت المناسب. وهكذا ظل داخلي محتفظًا بأملٍ طويل، وبمساحة لم يملأها أحد كما تمنيت.
ربما أخطأت لأنني طلبت من الحب أن يكون كاملًا قبل أن أسمح له بأن يبدأ. لم أفهم آنذاك أن العشق الخالد لا يصل مكتملًا، بل يُبنى من لحظات عادية، ومن صبر وقبول ونقصٍ مشترك. وفي انتظار الاستثنائي، خيّبت آمالًا كثيرة، وأضعت لحظات كان يمكن أن تغيّر مسيرة حياتي. بعض الأبواب فُتح أمامي، لكنني ترددت؛ وبعض القلوب اقتربت، لكنني لم أمتلك الوعي أو الشجاعة الكافية لأقترب منها. وعندما فهمت قيمة تلك اللحظات، كانت قد أصبحت جزءًا من الماضي الذي لا يستجيب للنداء.
ولو عادت الحياة، لما بحثت عن امرأة خُلقت لتملأ الفراغ كله، بل عن إنسانة حقيقية أبني معها المعنى يومًا بعد يوم. كنت سأمنح الحب فرصةً لأن ينمو، بدل أن أطلب منه برهان الخلود منذ اللحظة الأولى؛ فربما كان بعض ما حسبته عابرًا يحمل بذرة ذلك العشق الذي أمضيت العمر أبحث عنه.
وكذلك كنت سأرتب أولوياتي بطريقة مختلفة، وأنتبه باكرًا إلى ما أهملته، وأتجنب عثرات لم تمنحني معرفةً توازي ثمنها. كنت سأكون أكثر حذرًا في بعض القرارات، وأقل ثقةً ببعض الأشخاص، وأسرع في فهم ما تخفيه المواقف خلف ظاهرها. لكنني لن أحمل إلى شبابي حكمة الرابعة والسبعين كاملة؛ لأنها لو امتزجت بثوران البدايات لأطفأت عنفوانها وروح المغامرة فيها، وربما حرمتني لذّات لا تُعاش إلا في أوانها.
كنت سأختار من حكمة اليوم قبسًا صغيرًا فقط؛ ما يحميني من الأخطاء المدمرة، ويتركني أحتفظ بما يكفي من جرأة الشباب وجنونه الجميل. فبعض الجهل كان ضروريًا للمغامرة، وبعض التهور كان ثمنًا للاكتشاف، لكن أخطاءً أخرى لم تكن ضرورية لشيء، ولم تمنحني سوى الندم؛ وتلك هي التي كنت سأمحوها لو استطعت.
أما اليوم، فلم أعد أبحث عن حياة أخرى يستحيل استعادتها. أحاول أن أغيّر مكان الماضي في داخلي؛ فلا يبقى سكينًا يعاقبني، بل يصبح معرفةً متأخرة وحكمةً تمنح ما تبقى من العمر مزيدًا من السكينة.
ولو عادت الحياة، لتغيّر فيها الكثير، لكنني لن أتخلى عن الفتى الذي حلم، ولا عن الرجل الذي قرأ وكتب وسافر وناضل وأحب بصمت، وحمل قضيته ووطنه معه أينما ذهب. فقد أخطأ ذلك الإنسان كثيرًا، لكنه لم يتوقف يومًا عن المحاولة، وكانت تلك — رغم كل شيء — أجمل صفاته.

قد يعجبك ايضا