ساسان درويش: صوت الرسالة في زمن المهنة

حسو هورمي

بين ثنايا الكلمة وصهيل الحرف، يبرز الإعلامي المثابر ساسان درويش كأحد الأصوات النشطة في المشهد الإعلامي الكوردي، حيث يبذل جهداً كبيراً في نقل هموم الشتات الكوردي وانشغالات الجاليات الكوردستانية المنتشرة في أرجاء أوروبا. يعمل ساسان في جريدة “خبات” التي تصدر باللغة الكوردية في مدينة أربيل، وتُعتبر هذه الجريدة لسان حال الحزب الديمقراطي الكوردستاني. صدر عددها الأول في الرابع من نيسان عام 1959، محمّلة بروح المقاومة والانتماء والهوية.

ساسان درويش هو ابن الشهيد محمد درويش نادر، ذلك الإرث النضالي الذي يضيء دربه ويمنحه دافعاً أخلاقياً للاستمرار في تغطية قضايا قومه، دون أن تقيده الحدود الحزبية أو الأطر السياسية الضيقة. إنه يتجاوز في عمله “آفة التمذهب الحزبي” والانتماءات السياسية الجامدة، ليرصد بموضوعية فعاليات الكوردستانيين ونشاطاتهم المتناثرة هنا وهناك، متسلحاً بروح المهني الملتزم بقضايا الإنسان أولاً.ففي زمن تحولت فيه الكلمة إلى سلعة، والمهنة إلى وسيلة للرزق، يبرز الإعلامي ساسان درويش كنموذج نادر للإعلامي الذي لا يعمل من أجل “أن يعيش”، بل يعيش من أجل أن يؤدي رسالة. لا يشتغل ساسان في الإعلام كحرفة يتكسب منها، بل ينشط في ميدان السلطة الرابعة من منطلق المسؤولية الأخلاقية التي يضعها فوق أي اعتبار مادي أو مهني، وبهذا رجّح كفة الرسالة على المهنة.

بعد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها عصابات داعش الإرهابية بحق الإيزيديين في سنجار منتصف عام 2014، برز ساسان درويش كواحد من الأصوات الإعلامية التي لم تكتفِ بنقل الخبر، بل حملت على عاتقها مسؤولية توثيق الألم الإنساني بكل تفاصيله. كان حاضراً حيثما ارتفعت صرخة مظلوم، يلاحق الحقيقة في أكثر لحظاتها قسوة، ويوثق المأساة بعدسةٍ مهنية وقلبٍ منحازٍ للعدالة. لم تكن تقاريره مجرد سردٍ للأحداث، بل شهادات حيّة للتاريخ، دوّن فيها فصولاً من صمود الضحايا وبطولاتهم، مؤكداً أن الإعلام الجاد قادر على أن يكون صوتاً للمقهورين ومرآةً تكشف للعالم بشاعة الجرائم وضرورة محاسبة مرتكبيها.

وعلى امتداد السنوات التي تلت تلك الفاجعة، واصل ساسان حضوره الفاعل في معظم الأنشطة والفعاليات التي رافقت مساعي تدويل جرائم داعش في العراق وسوريا. ورغم إقامته في هولندا، إلا أن حضوره لم يكن محدوداً بجغرافيا معينة؛ فقد تنقّل بين العديد من المدن الأوروبية، مشاركاً في المؤتمرات والندوات والفعاليات الحقوقية، واضعاً بصمته الواضحة في توثيقها ونقلها. لقد تحوّل إلى جسرٍ إعلامي يربط بين تلك الأنشطة والشارع الكوردستاني، عبر تقارير صحفية مهنية رصينة أسهمت في إبقاء القضية حيّة في الذاكرة الجماعية، وتعزيز الوعي بضرورة تحقيق العدالة للضحايا.ويعود اتساع هذا الدور وتأثيره إلى مرحلةٍ سابقة، حيث تم افتتاح مكتب جريدة «خبات» في أوروبا بتاريخ 6/5/2012، وتولّى ساسان درويش إدارته، الأمر الذي حمّله مسؤوليات أكبر وفتح أمامه آفاقاً أوسع للعمل الإعلامي. فمنذ ذلك الحين، انخرط في تغطية مختلف النشاطات الكوردستانية والأوروبية المرتبطة بكوردستان على الصعد السياسية والفنية والثقافية والحقوقية والدبلوماسية وغيرها. كما أسهم هذا الدور في توثيق علاقاته مع الشتات الكوردستاني والجالية الكوردية في أوروبا، ليصبح اسمه معروفاً لدى مختلف الأوساط، ومصداقيته محل تقدير وتأثير لدى المتابعين والمهتمين.

إلى جانب كونه إعلامياً مثابراً، يبرز ساسان درويش ككاتب توثيقي من الطراز الرفيع، يترك بصمته في سجل الذاكرة الكوردية عبر مجموعة من الإصدارات المتميزة. ومنذ تعارفي به في أراضي هولندا عام 2002، وإلى يومي هذا، أراه يزداد يوماً بعد يوم حماساً ووعياً وتوهجاً في روحه؛ فهو لا يكف عن الانخراط في المسيرات والمظاهرات، ولا يغيب عن أي نشاط ثقافي أو أدبي أو فني، كأنما الزمن يزيده إصراراً لا يُهرم.

وهو إلى ذلك خطيب بليغ، يمتلك ناصية الكلمة حين يدير احتفالات أعياد “نوروز”، أو حين يقف على منصات إحياء ذكرى ضرب حلبجة بالغازات السامة أو مجازر الأنفال، فيجيد تحويل الألم إلى خطاب نضالي مؤثر. غير أن ما يميزه أكثر من كل ذلك، سجايا أخلاقه العالية في التعامل مع الآخرين، تلك الأخلاق التي تجعل منه إنساناً قبل أن يكون إعلامياً، وصديقاً قبل أن يكون كاتباً. إنه نموذج للإعلامي الذي جعل من السلطة الرابعة رسالة ضمير، لا مجرد منبر للارتزاق، وللكاتب الذي دوّن تاريخ قومه بحبر الوفاء، وللإنسان الذي جمع بين حماس النضال ورقي الأخلاق.

قد يعجبك ايضا