سردار شريف
يَزخر الشرق الأوسط بنماذج نسائية تركت بصمات واضحة في الدفاع عن حقوق الشعوب والهويات الثقافية، وتُعدّ مليكة مزان واحدة من أبرز هذه الشخصيات التي اختارت طريق المواجهة بدل الصمت.
لم تكن مليكة مزان مجرد كاتبة أو شاعرة، بل تحوّلت إلى صوت صاخب يرفض التهميش ويكسر القيود المفروضة على التعبير، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا الهوية والحرية.
منذ بداياتها أظهرت مليكة مزان انحيازاً واضحاً لقضية الأمازيغ في المغرب، معتبرة أن الدفاع عن الهوية الأمازيغية ليس مجرد مطلب ثقافي، بل حق إنساني مشروع.
لم تقبل أن تكون “صوتاً خافتاً” في مشهد اعتادت فيه الكثير من الأصوات على التراجع أو التكيّف، بل اختارت المواجهة المباشرة، منتقدة ما وصفته بمحاولات طمس الهويات وصناعة الصمت داخل المجتمعات الشرقية.
لكن مسارها لم يتوقف عند حدود القضية الأمازيغية. فقد توسعت مواقفها لتشمل قضايا أخرى وعلى رأسها القضية الكوردية التي تبنّتها بحماسة لافتة.
رفعت مليكة مزان العلم الكوردي في أكثر من مناسبة، وعبّرت عن تضامنها الصريح مع حقوق الشعب الكوردي في مختلف الدول التي يتواجد فيها الكورد كشعب أصلي، معتبرة أن معاناتهم تمثل نموذجاً حياً لمعاناة الشعوب الباحثة عن الاعتراف والكرامة.
هذا الانخراط القوي جعلها تبدو، في نظر البعض، وكأنها تتحدث باسم الكورد أنفسهم رغم اختلاف الانتماء الجغرافي والثقافي.
وبين حين وآخر، كانت تعود بتصريحات جديدة تعيد إشعال الجدل وتدفع المتابعين — مؤيدين ومعارضين — إلى إعادة التفكير في حدود التضامن العابر للهويات.
لم يقتصر نشاط مليكة مزان على الكتابة والتصريحات، بل امتد إلى الحضور الميداني واللقاءات مع شخصيات كوردية سياسية وعسكرية وثقافية، حارصة على بناء جسور تواصل مع ناشطين وزعماء، وعلى رأسهم الزعيم الكوردي مسعود البرزاني.
وقد ظهرت في مناسبات مختلفة مرتدية الزي الكوردي في تعبير رمزي عن انتماء إنساني يتجاوز الحدود القومية. وهو سلوك، رغم رمزيته، أثار ردود فعل متباينة؛ فبينما اعتبره البعض موقفاً شجاعاً رآه آخرون سلوكاْ استفزازياً …
هذه المواقف الجريئة وضعت مليكة مزان في قلب عواصف من الانتقادات سواء داخل المغرب أو في العالم العربي الإسلامي عموماً. فخطابها الصريح واصطفافها الواضح في قضايا حساسة جعلاها شخصية خلافية بامتياز. لكنها، في المقابل، ظلت متمسكة بخياراتها معتبرة أن الجرأة شرط أساسي لأي تغيير حقيقي.
تتميّز تجربة مليكة مزان بكونها تجمع بين الأدب والسياسة، بين الكلمة والموقف، وهو ما يمنحها خصوصية داخل المشهد الثقافي. فهي لا تكتب فقط للتعبير الجمالي، بل تستخدم الكتابة كأداة مقاومة وكوسيلة لطرح الأسئلة الصعبة حول الهوية والحرية وحقوق الشعوب.
دخلت مليكة مزان البيوت الكوردية وأصبحت شخصية غير عادية في حياة ملايين الكورد، لتصبح من أهم الجسور القوية بين الشعب الأمازيغي والشعب الكوردي ولتشكل جيشاً كوردياً يدافع عن كل كلمة تكتبها وكل تصريح ينشر لها، منتزعة بذلك لنفسها مساحة كبيرة في القضية الكوردية كونها من أشرس من يدافع عن حقوق شعبه.
تبقى مليكة مزان نموذجاً معقداً لشخصية لا يمكن اختزالها في موقف واحد أو قضية واحدة. فهي بالنسبة للبعض صوت شجاع يتجاوز الحدود ويدافع عن المظلومين، وبالنسبة لآخرين شخصية مثيرة للجدل تتعمد الصدام لتعطي الجميع دروساً في عدم الاختباء وراء أصابعهم.
ما لا يمكن إنكاره هو أنها نجحت في فرض حضورها وفي إثارة نقاشات عميقة حول قضايا غالباً ما يتم تجاهلها. وبين التأييد والرفض، تستمر مليكة مزان في أداء دورها كما تراه: صوتاً حراً لا يخشى الاختلاف ولا يتراجع أمام العاصفة.