العراق وكوردستان في ميزان التحولات الإقليمية: صراع النفوذ أم إعادة تشكيل الدولة؟

أحمد زبير باني

في منطقة لا تعرف الثبات، يبدو العراق وإقليم كوردستان وكأنهما يتحركان فوق طبقات متداخلة من التوازنات الهشة. فالدولة التي لم تستكمل بناء مؤسساتها بعد، تجد نفسها اليوم أمام اختبار مركّب: كيف يمكن الحفاظ على السيادة في ظل اشتباك نفوذ إقليمي ودولي متصاعد، دون الانزلاق مجددًا إلى دوامة الأزمات المزمنة؟
سيادة معلقة وتزاحم إقليمي
لم يعد الحديث عن تأثير الخارج على الداخل العراقي ترفًا تحليليًا، بل حقيقة يومية تُترجم في القرار السياسي والأمني. فالوجود المستمر للولايات المتحدة، يقابله نفوذ عميق ومتجذر لإيران داخل بنية النظام السياسي، فيما تواصل تركيا تحركاتها الأمنية والعسكرية تحت عناوين مختلفة. هذا التزاحم لا ينتج توازنًا بقدر ما يخلق حالة “تعليق سيادي”، حيث تصبح القرارات الكبرى رهينة حسابات تتجاوز حدود الدولة نفسها.
اختبار الشراكة والفيدرالية
في هذا السياق، تبدو العلاقة بين بغداد وأربيل انعكاسًا مصغرًا لهذه الإشكالية الكبرى. فالخلافات المزمنة حول النفط والميزانية لم تعد مجرد نزاع تقني، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمفهوم الشراكة داخل الدولة الفيدرالية. ومع كل أزمة رواتب أو تأخير مالي، يتعمق الشرخ بين المواطن ومؤسسات الحكم، ويتآكل ما تبقى من الثقة في قدرة النظام على إدارة موارده بعدالة وكفاءة.
السلاح المنفلت ومأزق الدولة
غير أن التحدي الأخطر لا يقتصر على الخلافات السياسية أو الاقتصادية، بل يتجسد في تصاعد أعمال العنف غير المنضبطة التي تنفذها بعض الفصائل المسلحة. فالهجمات التي تستهدف مدن إقليم كوردستان، بذريعة وجود تهديدات أمنية، تعكس خللًا عميقًا في مفهوم الدولة واحتكارها للسلاح. ورغم تبريرات “المقاومة”، إلا أن النتائج تقوض الاستقرار وتضع الإقليم في مواجهة مفتوحة مع صراعات لا يملك قرارها.
إرث الشوفينية بملامح جديدة
وفي خضم هذه التوترات، يبرز جانب أكثر خطورة وحساسية، يتمثل في استمرار العقليات الشوفينية داخل بعض مفاصل القرار في بغداد؛ وهي عقليات لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن النظام السابق سوى في ملامحها الخارجية وتصنيفاتها السياسية. هؤلاء لا يزالون ينظرون إلى الكورد كـ “خصوم” يجب تحجيمهم، لا كشركاء وطن أصلاء.
إن استخدام “لقمة العيش” ورقة ضغط سياسي، ومحاولة تجريد الإقليم من صلاحياته الدستورية تحت غطاء “المركزية”، ليس إلا استنساخاً لسياسات التهميش القديمة بأساليب حديثة. هذا السلوك يعكس أزمة ثقة متجذرة، حيث تغلب الحسابات الضيقة والشعور بالاستعلاء السياسي على الرؤية الوطنية الشاملة، مما يجعل من مفهوم “المواطنة” مجرد شعار يغطي ممارسات إقصائية واقعية.
مراكز الثقل والقرار في كوردستان
ورغم هذه التعقيدات، يبقى حضور الزعيم مسعود البارزاني عاملًا حاسمًا وثقلاً سياسيًا لا يمكن يتجاوزه. فالرئيس لا يُمثل مجرد قيادة حزبية، بل يُنظر إليه كمرجعية قومية وصاحب قرار في اللحظات المفصلية، مشكّلاً نقطة ارتكاز لإعادة ضبط التوازنات ومنع انزلاق الخلافات الكوردية إلى صراعات تهدد الاستقرار العام.
وفي المقابل، يبرز دور رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان البارزاني من خلال تحركاته الدبلوماسية وانفتاحه الدولي لتخفيف حدة التوترات وبناء جسور توازن تحمي موقع الإقليم. أما على المستوى التنفيذي، فيقود السيد مسرور البارزاني الحكومة (الكابينة التاسعة) برؤية تركز على الإصلاح الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز البنية التحتية والتحول الرقمي، رغم محاولات العرقلة السياسية التي تؤخر استكمال الاستحقاقات الانتخابية وتشكيل الحكومة الجديدة.
الخاتمة: منطق الدولة أم منطق النفوذ؟
أمنيًا، ورغم تراجع خطر تنظيم داعش، إلا أن البيئة التي سمحت بظهوره لم تُعالج جذريًا؛ فالفراغات الأمنية والانقسامات السياسية تبقي احتمالات التدهور قائمة. أما على مستوى الإصلاح، فالمشكلة لم تعد في غياب التشخيص، بل في غياب الإرادة الوطنية الحقيقية.
في المحصلة، يقف العراق وإقليم كوردستان عند نقطة تقاطع حساسة: إما الاستمرار في إدارة التوازنات الهشة وتدوير الأزمات، أو الشروع في إعادة بناء الدولة على أسس صلبة تتجاوز إرث الشوفينية ومنطق النفوذ لصالح منطق الدولة المؤسساتية. إنها لحظة إقليمية فارقة لا تمنح الكثير من الوقت للتردد أو المراهنة على سياسات الماضي.

قد يعجبك ايضا