زاد الطين بلّة

عرفان الداوودي

منهج حكم من الكهرباء إلى المولدة ومن الغاز الى بنزين ومن مياه الامطار الى الطماطة وإلى الاوساخ : معاناة بلا سقف”

لم يعد المواطن العراقي ينتظر حلولاً، بل صار يترقب حجم الخيبة الجديدة التي تُضاف إلى سجل طويل من الإهمال والفشل. فكل أزمة لا تُحل، بل تتفاقم… وكأن هناك من يتفنن في زيادة الطين بلّة.

في موسم الأمطار، بدل أن تكون المياه نعمة، تتحول إلى نقمة تغرق الشوارع والأحياء السكنية. طرق بلا تصريف، وبنى تحتية مهترئة، ومشاريع التهمت المليارات ولم تُنتج سوى برك من الفشل تتكرر كل عام بلا خجل ولا محاسبة.

وفي البيوت، تتراكم الأزمات: شحة الغاز، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية. الطماطة التي كانت في متناول الجميع، أصبحت بسعر ثلاثة آلاف دينار للكيلو الواحد. ومعها باقي المواد، حتى صار الراتب لا يكفي لسد أبسط الاحتياجات.

أما الكهرباء، فهي قصة معاناة 22عاماً
وليومنا هذا لا تنتهي. ساعات قطع طويلة، ووعود حكومية لا تتحقق، ليبقى المواطن رهينة المولدات الأهلية. وهنا تبدأ مأساة أخرى: أسعار اشتراك مرتفعة، وشحة في مادة الكاز، واستغلال لا يجد من يوقفه. المواطن يدفع مرتين: مرة للدولة التي لا توفر الخدمة، ومرة للمولدات التي تستنزف ما تبقى من دخله.

الأخطر من كل ذلك، اعتراف الحكومة بوجود آلاف “الفضائيين” في وزارتي الداخلية والدفاع، وكذلك في الحشد الشعبي. رواتب تُهدر على أسماء وهمية، بينما الموظف الحقيقي ينتظر راتبه بشق الأنفس. هذا ليس خللاً بسيطاً، بل فساد ممنهج ينهش جسد الدولة.

ثم يأتي من يرفع شعارات “الوطنية” ويتحدث عن فرض التجنيد الإلزامي، وكأن المشكلة في أبناء الفقراء الذين سيُزج بهم مجدداً في معاناة جديدة. كيف يُطلب التضحية من شعبٍ لم ينل أبسط حقوقه؟ وكيف نثق بإجراءات جديدة، في ظل نفس الوجوه التي صنعت هذا الواقع؟

المفارقة المؤلمة أن أبناء المسؤولين يعيشون في عالم آخر؛ دراسة في الخارج، واستثمارات، وعمارات وفنادق، وحياة بعيدة كل البعد عن معاناة الناس. بينما أبناء الفقراء يبحثون في النفايات عن لقمة العيش، يجمعون القواطي والكارتون ليبقوا أحياء.

أي عدالة هذه؟ وأي وطنية تُفرض على الجائع والمحروم؟

المشكلة لم تعد أزمة كهرباء أو غاز أو أسعار فقط، بل غياب ضمير ومسؤولية. نظام اعتاد إدارة الفشل بدل معالجته، واعتاد تحميل المواطن البسيط ثمن أخطائه.

إن استمرار هذا النهج يعني أن الطين لن يتوقف عند هذا الحد… بل سيزداد بلّة يوماً بعد يوم، ما لم تكن هناك وقفة حقيقية، وإصلاح جذري، ومحاسبة لا تستثني أحداً.

فالوطن لا يُبنى بالشعارات… بل بخدمة الناس، وصون كرامتهم، وتحقيق العدالة التي طال انتظارها .

قد يعجبك ايضا