د . ابراهيم احمد سمو
فاضل ميراني، في لقاءٍ تلفزيوني عُرض على فضائية كوردستان 24 مساء يوم 19/4/2026، وضع النقاط على الحروف بشأن الوضعين الداخلي والخارجي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، بما لنا وما علينا. لقد شكّل هذا اللقاء محطةً مهمة لتوضيح الرؤى، وقراءة الواقع السياسي بقدرٍ من الصراحة والمسؤولية، بعيدًا عن المجاملة أو التبرير
لسنا حزب صفقات، هذه ليست مجرد عبارة عابرة، بل هو موقف مبدئي يعكس هوية سياسية متجذّرة في تاريخ طويل من النضال والعمل الوطني. بين الأمس واليوم، قد تمرّ العقول بفترات استراحة، وقد تتبدل الظروف، لكن المسار الحقيقي يبقى ثابتًا لمن يؤمن بقضيته. فالأمس كان اختبارًا، واليوم هو استمرار للعمل، أما الغد فهو أمل ينتظر الجميع، بشرط أن تتوحد الرؤى وتتقارب المواقف، وأن يعترف الجميع بأن الأخ الكبير، الذي صنع المراحل الصعبة، لم يتغير، بل بقي ثابتًا على مبادئه، بينما التغيير الحقيقي حدث عند الآخرين، وهنا يكمن السؤال الذي ينبغي أن يوجّه إليهم، والجواب متروك لهم.
إننا لا ننتمي إلى حزب يبيع الأرض بثمن بخس، ولا إلى تيار يساوم على الوطنية في أوقات الأزمات. لسنا أولئك الذين ينتظرون الفرص لعقد الصفقات أو توجيه الضربات للخصوم في لحظات ضعفهم. على العكس، نحن أبناء مدرسة سياسية تعلمنا فيها أن حب الوطن ليس شعارًا، بل التزام، وأن الدفاع عن الأرض شرف لا يُساوَم عليه. هذا النهج لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تجربة طويلة من العمل السياسي، حيث تترسخ القيم من خلال الممارسة والتضحيات.
وعندما يتحدث السياسي الكبير عن قضايا الوطن، داخليًا وخارجيًا، فإن حديثه يحمل وزن التجربة وصدق الانتماء. أما على المستوى الخارجي، فقد وصلت العلاقات إلى مستويات متقدمة من الرقي والانفتاح، من خلال المشاركة في المنتديات الدولية واللقاءات العالمية، وهو ما يعكس حضورًا فاعلًا ومؤثرًا. لكن ما يشغل الداخل أكثر هو الوضع الراهن، الذي يبدو وكأنه محصور بين مطرقة الحكم الفيدرالي بتعقيداته، ومطرقة الداخل التي تنتظر فرصها، أحيانًا على حساب المصلحة العامة.
في هذا السياق، جاء حديث فاضل ميراني، الذي تحمّل المسؤولية الكاملة في تقديم الإجابات باسم الحزب، بصفته قياديًا مخضرمًا. ومع اقتراب مرور ستين عامًا على مسيرته الحزبية، بدءًا من عضو لجنة محلية وحتى موقعه الحالي، فمن الطبيعي أن يمتلك هذا الحق في التعبير عن رؤيته. هذه المسيرة الطويلة تمنحه شرعية سياسية وأخلاقية، تجعله قادرًا على تقييم الواقع بموضوعية، مع تواضع واضح في الطرح، حيث يؤكد أنه ليس أكبر من الحزب، بل جزء منه.
ولعل ما يميز خطابه هو استناده إلى القيم الدينية والأخلاقية، من خلال الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة، وهو ما يعكس عمقًا فكريًا وروحيًا في التعاطي مع الشأن السياسي. ومع ذلك، لم يدّعِ الكمال، بل أقرّ بإمكانية الخطأ، وأبدى استعداده لتقبّل النقد البناء، في إشارة إلى نضج سياسي نادر.
وقد تطرق في حديثه إلى الواقع السياسي الراهن، مشيرًا إلى التحديات التي تواجه البلاد، خاصة في ظل التطورات الأخيرة، والحرب الدائرة، واختيار القيادات العليا في الدولة. ومع ذلك، لم يغفل عن الإشارة إلى إنجازات البرلمان، مؤكدًا أن المسؤولية جماعية، وأن كل طرف يتحمل نصيبه وفق موقعه السياسي، دون استثناء، بما في ذلك حزبه. هذه الصراحة تعكس روحًا نقدية داخلية، لا تهرب من المسؤولية بل تواجهها.
وفي تأكيد واضح على الموقف المبدئي، شدد على أن الحزب لا يبيع الأرض، ولا يخضع لمصالح ضيقة على حساب القضايا الوطنية. ومن هنا جاءت العبارة التي يمكن اعتبارها خلاصة هذا الطرح: (لسنا حزب صفقات). هذه الجملة تختصر هوية الحزب، وتضعه في سياق أوسع ضمن تعريفات القضية الكوردية في كوردستان، القائمة على التعايش بين المكونات المختلفة.
أما فيما يتعلق بكركوك، فقد عبّر عن موقف متوازن، رغم ما يحمله من حساسية. أبدى أسفًا ضمنيًا، لكنه أصر على أن كركوك كانت وستبقى جزءًا من كوردستان، وأن من حق الكوردي أن يتولى هذا المنصب، دون إقصاء لبقية المكونات من تركمان وعرب ومسيحيين، الذين لهم أيضًا دورهم ومواقعهم. هذا الطرح يعكس محاولة للموازنة بين الهوية والانفتاح.
وقد جاء هذا اللقاء في توقيت مهم، حيث كان الجميع يتساءل عن مسار الحزب الديمقراطي، وعن طبيعة القرارات التي تصدر عن البرلمان العراقي، خاصة تلك التي يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح خارجية. في هذا السياق، تم التأكيد على أهمية العلاقات مع مختلف الأطراف، مع الإشارة إلى أن الحزب يمثل نسبة كبيرة من المجتمع الكوردستاني، وهو ما يمنحه وزنًا في المعادلات السياسية.
ولم يُغفل دور الأحزاب الأخرى، وخاصة الاتحاد الوطني، حيث تم التذكير بدور (مام جلال) وتأثيره الإيجابي، خاصة في المراحل الحساسة بعد سقوط النظام السابق. هذه الإشارات تعكس تقديرًا للتاريخ المشترك، رغم الاختلافات السياسية.
ومن النقاط المهمة التي تم طرحها، أن الأمور لم تصل بعد إلى طريق مسدود، وأن العلاقات السياسية تمرّ بمراحل من التقارب والابتعاد، وهو أمر طبيعي وصحي، كما في العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تتسم بالمد والجزر. هذا التوازن يمنع الوقوع في فخ التبعية، ويؤكد على استقلالية القرار السياسي.
وهنا تتضح الفكرة الأساسية: لسنا حزب التبعية، بل حزب تأسس على أساس الوطنية والهوية الكوردية. قد تفرض المصالح أحيانًا تقاربًا أو تباعدًا، لكن ذلك لا يتم وفق أهواء شخصية أو مصالح ضيقة، بل وفق حسابات استراتيجية تخدم المصلحة العامة.
لقد كان الطرح شاملًا، وقدم توضيحات لكثير من القضايا، مما منح شعورًا بالراحة لدى المتابعين. ويمكن اعتبار هذا اللقاء نقطة انطلاق نحو مشروع جديد لإعادة ترتيب العلاقات، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، من خلال اعتماد منهجية واقعية في العمل السياسي.
كما استخدم تشبيهًا لافتًا، حيث قارن الوضع السياسي بعمل الطبيب الذي يحدد نسبة نجاح العملية، لكن أثناء التنفيذ قد تحدث مفاجآت غير متوقعة. هذا التشبيه يعكس طبيعة العمل السياسي، الذي لا يخلو من التعقيدات والتحديات، خاصة في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة.
ورغم كل ذلك، كان هناك تفاؤل واضح في الخطاب، وهو تفاؤل له دلالات إيجابية، خاصة عندما يصدر عن شخصية لها وزنها داخل الحزب. هذا التفاؤل لا يعني تجاهل التحديات، بل الإيمان بإمكانية تجاوزها من خلال العمل المشترك والتخطيط السليم.
في الختام، يمكن القول إن هذا الطرح يعكس رؤية سياسية ناضجة، تقوم على الثوابت الوطنية، وترفض المساومة على القضايا الأساسية. (لسنا حزب صفقات ولا حزب التبعية) ليست مجرد عبارة، بل هي إعلان موقف، وتأكيد على هوية سياسية تسعى إلى تحقيق التوازن بين المبادئ والمصالح، وبين الداخل والخارج، في سبيل بناء مستقبل أفضل للجميع.