أجرى الحوار/ صادق المولائي
يسرنا أن نستضيف اليوم الشخصية الثقافية الباحث الدكتور (مؤيدعبدالستار) من الكورد الفيليين السورميري ، الذي كرس جزءاً من حياته سعياً وراء الحقائق، خاصة في مجال الاثار لغرض التوثيق، والذي أسهم بدوره وبكتاباته ودراساته في تسليط الضوء على قضايا تاريخية بالغة الأهمية، ولا سيما ما يتعلق بالاثار في وادي الرافدين خاصة تلك التي تتعلق بالكورد الفيليين. وقد نال خلال مسيرته العديد من الشهادات التقديرية، تثميناً لجهوده العلمية والثقافية وإسهاماته القيمة في حفظ الذاكرة الجَمعية.
أهلاً وسهلاً بضيفنا الكريم:
س1:نود ان تخبرنا والقراء عن سيرتكم بدءً من تاريخ ومحل الولادة مرورا بالمراحل الدراسية، وأهم المحطات الحياتية التي تركت بصمتها في حياتكم وشخصيتكم؟
-بادئ ذي بدء أود أن أشكركم على ترتيب هذا اللقاء خلال زيارتي القصيرة لاربيل عاصمة اقليم كوردستان في طريقي الى مدينة زاخو تلبية لدعوة من جامعتها.
ولدت في مدينة الكوت / محافظة واسط عام 1948 في محلة أغلب سكانها من الكورد الفيليين ، كان جد أمي الملا درويش صاحب كـتّاب معروف فيها يعلم الاطفال القراءة والكتابة، وهو ضمن الهيئة التعليمية لاول مدرسة رسمية افتتحت في الكوت بعد اعلان العراق دولة مستقلة عن الدولة العثمانية ، وكان والدي من اوائل المعلمين الذين تخرجوا من دار المعلمين في بغداد عام 1944 وعمل معلما ومديرا ومشرفا تربويا في مدارس محافظة واسط وغيرها من محافظات العراق .
خلال سنوات الطفولة شهدتُ أحداثا سياسية كبيرة تميزت بالتظاهرات وهروب السجناء من سجن الكوت الذي يقع قرب حي الكورد، واحتجاجات الجماهير بشـأن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ثم ثورة 14 تموز المجيدة وكانت حدثا جماهيريا كبيرا فتحت أعيننا على حياة جديدة تنشد التحرر والرفاه الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
غمرنا الفرح ونحن نشارك في التظاهرات المختلفة التي تهتف للوطن والحرية، وفتحت شهيتنا للقراءة والاطلاع على أدبيات ومنشورات سياسية كان يوفرها لنا بعض المعلمين والمثقفين من مصادر سوفيتية وصينية مجانا .
كان حي الكورد في الكوت خلية نحل في الصناعات الحرفية مثل حياكة الانسجة ، البسط والازر ، وكنا نساعد في الحياكة مثل لف الخيوط على انواع البكرات، النساء يغزلن القطن والصوف،وهناك من يهتم بصبغ المواد ..الخ.

واذكر الاحتفال الذي نظم في المدينة لعودة البرزاني والبرزانيين عام 1959 فقد علمنا أنهم وصلوا الى البصرة بباخرة قادمة من الاتحاد السوفيتي ، وانتشرت صورة البرزاني بملابس جنرال ، وكنا نهتف زعيمنا الثاني مصطفى البرزاني .
عام 1960 انتقلنا الى بغداد ،غداة تشكيل مديرية الدراسات الكوردية ، وتنسيب والدي للعمل فيها ووضع منهجها وادارتها .
في بغداد تطور وعينا وزاد اهتمامنا بالثقافة والسياسة بسبب الاطلاع على المكتبات الحديثة والاستفادة من التلفزيون والبرامج الثقافية التي كان يقدمها المركز الثقافي الروسي. لكن الاحداث سارت عكس ما تشتهي السفن فنجح انقلاب 8 شباط الاسود وقفز العنصريون الى سدة الحكم وعشنا سنوات صعبة فيما بعد،مورست الشوفينية من أعلى حاكم للبلاد الذي كان لا يخجل من القول عن الحرب في كوردستان انها حرب (كاكة ومحيسن) كناية عن الكورد والعرب سكان الوسط والجنوب ، وشهدنا الحملات الشوفينية على الكورد في المدينة وتهجيرهم الى ايران بحجة عدم امتلاكهم شهادة الجنسية العراقية التي صنعت منها الحكومة سيفا مصلتا على رؤوس الكورد .
دَرَستُ المتوسطة والثانوية في بغداد وأكملت بكلوريوس آداب اللغة العربية في كلية اصول الدين التي ألحقت في الجامعة المستنصرية.
عملت موظفا في تربية ديالى وانتقلت بعد عام 1971الى بغداد لاعمل في مؤسسة الكهرباء،
وبسبب الاوضاع السياسية البائسة والملاحقات الامنية، غادرت العراق الى الهند عام 1979 واضطررت للبقاء هناك لغاية عام 1984 درست خلالها الادب واللغة في جامعة دلهي حيث حصلت على الماجستير ونلت الميدالية الذهبية ثم حصلت على الدكتوراة في جامعة عليكرة الاسلامية عام 1984 .وكانت اطروحتي عن : السيرة الذاتية في الادب العربي .
في الهند أسسنا – مجموعة من الطلبة العراقيين- جمعية الطلبة وأصدرنا جريدة المصباح، تطبع بالرونيو وبخط اليد، وشاركنا اتحاد طلبة الهند ومنظمات طلابية اجنبية في تنظيم تظاهرة ضد الحرب العراقية الايرانية وضد نظام البعث الصدامي.
حصلت على فرصة عمل في الجزائر فسافرت لالتحق بالعمل في الجامعة وعملت هناك 4 سنوات ،من عام 1984 لغاية عام 1988 ، وبسبب أحداث العنف وهجمات العصابات المتطرفة انتقلت الى ليبيا فحصلت على عمل في جامعة ناصر في طرابلس العاصمة وبقيت هناك لمدة عامين ثم هاجرت الى السويد ملتحقا بافواج المهاجرين المنفيين.
س 2:كل واحد منا يحمل في ذاكرته صورا عن بداياته الأولى، كيف كانت بدايتكم في مجال البحث والكتابة؟ ومتى اكتشفت ميولك نحو الادب والبحث والتأليف؟
-كنت مهتما بالادب والسياسة منذ وقت مبكر، فألفت رواية / مسرحية بعنوان محاكمة الرجل الذي قتل الملك اواسط السبعينات، وقدمتها الى دائرة رقابة المطبوعات والنشر لاجازة طبعها ، لكنهم أبلغوني بقصاصة من الورق: ( تمنع وتحجز) فصادروا المسودة. نصحني بعض الاصدقاء بنسيان الموضوع خشية الاعتقال . كانت تلك أول تجربة لي في الكتابة والتأليف اصطدمت بجدار السلطة الدكتاتورية .
قبل مغادرتي العراق تموز 1979نشرتُ قصة قصيرة في صحيفة التاخي بعنوان نحن لانؤكل ، ولكن القصة ظهرت بعنوان نحن لانأكل ، ولا أعلم إن كان تغيير العنوان مقصودا.
من خلال دراستي في الجامعة، شغلني النقد فاهتممت بالدراسات النقدية والفلسفية وتوفرت لي فرصة الاطلاع على الاداب الاجنبية خلال وجودي في الهند ، المجال الخصب لمختلف الشعوب والحضارات، فترجمت ملحمة الهند رامايانا، عن الانجليزية، فزادتني معرفة باصول الحضارة الهندوسية وعلاقتها بحضارة عيلام وبلاد الرافدين ، وساهمت معرفتي باللغات الكوردية والعربية والالمام باللغتين الفارسية والهندية ، بالاضافة الى الانجليزية والسويدية. من امعان النظر في الكثير من المواضيع التاريخية والادبية وفحص النصوص بنظرة أعمق مما لو كنت أعالجها من خلال لغة واحدة.
س3: هل هناك عوامل معينة أثرت في تكوين وعيك الثقافي والفكري؟ ما هي أبرز تلك العوامل؟
-أبرز تلك العوامل المكتبة التي كانت في بيتنا ، وكان أبي حريصا على اقتناء مختلف الكتب والمجلات مثل كتاب قصة الحضارة لول ديورانت ومعالم تاريخ الانسانية ل هـ ج ويلز وكتب سلامة موسى وبرناردشو ومجلة الاداب اللبنانية ومجلة العلوم اضافة الى لسان العرب وديوان عمر الخيام وحافظ شيرازي والمتنبي ونزار قباني وشعراء المهجر وغيرهم . بالاضافة الى ذلك ثقافة بعض اقاربنا واتجاهاتهم السياسية التقدمية وانتماء بعضهم للحزب الشيوعي والحزب البارتي – الديمقراطي الكوردستاني – ونشاطهم ( الكوردايتي ) ومقاومة انقلاب 8 شباط 1963 وغيرها من الاحداث السياسية،
ووفرة الكتب السياسية التقدمية في المكتبات والاثر الكبير لثورة ايلول وعلى الاخص بعد عام 1963 الذي شهد نضال شعبنا فتكلل يوم ذاك باتفاقية 11 آذار ، واتذكر مشاركتنا في التظاهرة الفخمة ببغداد وحضور الشهيد ادريس البرزاني والرئيس مسعود وهما بملابسهما الكوردية على منصة التحية في الباب الشرقي .
ومن الاحداث العالمية حرب فيتنام وانتصار الفيتكونغ بقيادة هوشي منه و ثورة كوبا و وتشي جيفارا واحتجاجات الطلاب في فرنسا في الستينات ..وغير ذلك من أحداث سياسية صاغت مفاهيمنا وأثرت في تكوين وعينا التقدمي .

س4: بالتأكيد هناك شخصيات او كتاب كان لهم التأثير في شخصية ونفسية (مؤيد عبدالستار) الماثل أمامنا اليوم كأحد مثقفي الكورد الفيليين.
– أكثر الزعماء تأثيرا في مسيرتنا السياسية الزعيم عبد الكريم قاسم الذي افتتح عهدا جديدا في العراق وله الفضل في وضع مادة في الدستور مفادها العرب والكورد شركاء في هذا الوطن، وحقق العديد من الانجازات الوطنية، وكان الى جانبه القائد مصطفى البرزاني الذي عرفناه عن قرب بعد عودة البارزانيين من المنفى عام 1959.
اما الشخصيات الثقافية فمن الشعراء الجواهري والخيام وأحمد شوقي والسياب وعبد الله كوران وفائق بي كه س وملحمة الحب شيرين وفرهاد، وثورة كاوة الحداد على الضحاك وانتصار الثورة في نوروز .
ومن الكتاب فكتور هيجو صاحب البؤساء وطه حسين ونجيب محفوظ والفرنسي دوماس وغوستاف فلوبير صاحب مدام بوفاري والنرويجي، ابسن ولا أحد يستطيع استثناء شكسبير ومسرحياته الشهيرة ومن الادباء الروس تولستوي وديستوفيسكي وتورجنيف . ..الخ.
س5: مسيرتك الحياتية عاصرت ظهور ايدولوجيات فكرية وسياسية عديدة، تأثر بها الكثير خاصة من الطلبة في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كيف كان تأثير تلك العواصف الفكرية عليك؟ وهل مازال ذلك التأثير باق؟
-كان اليسار في الستينات في أوج عظمته ، والاتحاد السوفيتي الذي أرسل غاغارين الى الفضاء الخارجي مثار اعجابنا ، وكانت حرب فيتنام تفضح المعسكر الامبريالي وما يقوم به من أعمال وحشية ، واستخدام قنابل النابالم المحرمة دوليا ، وغاز الخردل الذي استخدم في كمبوديا وغيرها من البلدان ، اضافة الى نضال القارة السمراء وسطوع نجم لومامبا الذي تعرض الى مؤامرة بشعة ، والصراع من أجل فلسطين ، وانتصار ثورة الجزائر… كل تلك الاحداث صاغت أفكارنا وأثرت في بلورة رؤيتنا نحو العالم والنضال من أجل العدالة وطلب الرفاه لملايين الفقراء من أبناء شعبنا وشعوب العالم ، ولا شك ان مسيرتنا مع نضال شعبنا من أجل حقوقه المشروعة كانت نبراسا يصوغ توجهاتنا وهو ما جعلنا نشارك في النشاط السياسي والمساهمة في التظاهرات والاحتجاجات وحضور المؤتمرات ونشر المقالات والدراسات وغيرذلك.
س6:ما هو أول عمل بحثي أو كتاب نشرته؟ وكيف كانت ردود الفعل عليه؟ وهل أنت راض عنه اليوم؟
-أول كتاب نشرته كان مجموعة نصوص ( نثرية / شعرية ) بعنوان أجراس الرحيل ، لم تتوفر فرصة للنشر في الجزائر حيث كنت أعمل مدرسا في الجامعة ، فاردت نشره في دمشق ، وكانت النصوص بخط الخطاط رعد ، وهو خطاط عراقي معروف كان يعمل خطاطا في الصحافة المغربية، ويقيم في الرباط في المغرب ، أما الغلاف فكان من تصميم الفنان الراحل حسني ابو المعالي ، وكان يقيم في الرباط ايضا وله غاليري للرسم .أما الرسوم الداخلية فكانت للفنان كاظم خليفة ، وهكذا اجتمعت في هذا الكتاب اسماء عراقية في المهجر . ولكن الكتاب منع ايضا في سوريا . فتم التحايل على الرقابة وطبع دون ذكر دار النشر ووزع باليد للمعارف، واعتز فيه كثيرا لاجتماع اسماء مهاجرة في انجازه .
س7:لكل كاتب ميول وتوجهات معينة في تناول القضايا، ما هي أبرز القضايا التي ركزت عليها في كتاباتك؟
– لابد من القول ان توجهاتي تقدمية بالاساس، ساهمت في العمل السياسي اليساري و (الكوردايتي ) وكتبت العديد من المقالات والدراسات التي تنسجم مع تطلعاتي ونشرت الكثير من كتاباتي في مجلة الثقافة الجديدة ورسالة العراق والصحف العراقية التقدمية مثل طريق الشعب والتآخي والاتحاد وبعد التغيير نشرت في الكثير من مواقع الانترنيت، ولي موقع فرعي في الحوار المتمدن نشرت فيه ما يزيد على سبعمائة مقالة وبلغت عدد القراءات أكثر من 4 ملايين قراءة حسب احصاء عداد الموقع .

س8:كيف تقيم واقع التوثيق التاريخي للأكراد الفيلية وحقوقهم التاريخية، هل تجد انها تعرضت للسرقة والتزوير من قبل المكونات الأخرى المهيمنة على الأرض كقوى سياسية وبشرية واقتصادية؟
-الكورد الفيليون شريحة أصيلة من الشعب الكوردي موطنها العراق وايران ، ونستطيع القول في عيلام ووسط العراق ، وآثار حضارتهم في الماضي والحاضر ماثلة في المدن التي سكنوا فيها مثل بغداد وسلمان باك وديالى والعمارة …..الخ واشتهروا باتقان الحرف والصناعات المختلفة والتجارة والزراعة .
ولكن آثارهم من تحف وتماثيل و حلي وفخاريات تحتفظ بها المتاحف وتسجل تحت اسم العراق أو ايران .ولذلك ضاع حق الكورد في نسبة أثارهم اليهم . وهو ما حاولت كشفه من خلال اعادة الاثار الى اهلها .
س9:ماذا تعني لك الجوائز وشهادات التقدير التي حصلت عليها؟ وهل تشعر أن المجتمع والمراكز الثقافية أنصفت دورك وجهودك؟
-أود تقديم الشكر لكل من منحنا كرم التقييم الايجابي ، وفي الحقيقة إن الجوائز وشهادات التقدير تعبر عن الاعتزاز بالمنجز الثقافي والجهود التي نعمل على أن تكون مجدية. وهذه الجوائز وشهادات التقدير هي دافع معنوي تحملنا مسؤولية أكبر كي نكون أكثر حرصا في العمل من أجل الشعب والوطن. ويبقى ما نقدمه هو الاساس الذي نتمنى أن يصل الى الناس أكثر من الجوائز وشهادات التكريم.
س 10: ما هي أهم النشاطات الخاصة بشريحتنا الفيلية التي شاركت فيها ؟
-قبل تغيير النظام شاركنا بمختلف الاحتجاجات والتظاهرات وكتابة المقالات وبعد التغيير واصلنا العمل من أجل تنظيم التشكيلات الفيلية المتعددة فعقدنا مؤتمر ستوكهولم عام 2008 وتم اقرار تشكيل البرلمان الكوردي الفيلي العراقي* وساهم في تهيئة الارضية لتوحيد صفوف الكورد الفيليين ، وكذلك ساهمنا في مؤتمر هامبورغ في المانيا عام 2002 وتمخض عن اصدار جريدة صوت الكورد وكنت رئيس تحريرها ، ومؤتمر ليل في فرنسا عام 2003 . والكثير من المؤتمرات والاجتماعات التي أبرزت دورشريحتنا في الحياة السياسية.
كما نشرنا العديد من المقالات في الصحافة حول الكورد الفيليين وحقوقهم وتراثهم .وشاركنا في العديد من الندوات واللقاءات التلفزيونية حول قضايانا الكوردية والعراقية عامة.
……………………………………………….
رابط مؤتمر ستوكهولم 2008
• https://www.youtube.com/watch?v=efG7k9IZuus