حاوره: ٲلند مزوري
بدل رفو.. اسمٌ عصيٌّ على الاختصار، فهو العابرُ للأمكنة بروح شاعر، والناقلُ للثقافات بوعي مترجم، والحارسُ لذاكرةٍ إنسانيةٍ لا تكبلها الجغرافيا. لم تكن رحلته الممتدة لعقود مجرد انتقالٍ بين المدن، بل بحثاً دؤوباً عن جوهر المعنى، وعن الإنسان في تباينه وائتلافه. كتبَ، وترجمَ، وارتحل، فغدا صوته جسراً يربط اللغات، وحكايةً مشرعةً على آفاق العالم. في هذا الحوار، نُبحر في أعماق هذه التجربة الثرية، الاعلام، والكتابة، الرحلات، جمع القطع الاثریة والتراثیة، لننصت الیه وبما في وراء كلماته.. ومن این بدأ الحكاية الحقيقية.
1. كيف تستطيع إدارة كل هذه المجالات بنجاح؟
لا أرى هذه المجالات كمسارات متوازية تحتاج إلى إدارة بقدر ما أراها نهرًا واحدًا يتفرّع ثم يعود ليلتقي في المصب ذاته. الكتابة، والإعلام، والرحلة… كلها وجوه مختلفة لبحثٍ واحد عن المعنى. حين يكون الإنسان مأخوذًا بالشغف، لا يعود الزمن عبئًا، بل يتحوّل إلى رفيقٍ يتّسع لكل هذه التجارب، ويمنحها انسجامها الخفي.
2. أنت شاعر ومترجم ورحّالة؛ أيّ من هذه الجوانب يقودك أكثر أثناء السفر؟
في الطريق، أترك الأدوار تتبادلني. أحيانًا أمشي بعين الرحّالة التي تكتشف، وأحيانًا بقلب الشاعر الذي يتأمّل، وأحيانًا بعقل المترجم الذي يحاول أن يفهم ويقارب. لكن في العمق، الذي يقودني هو ذلك الطفل الداخلي الذي لا يزال يندهش، ويؤمن أن لكل طريق حكاية تنتظر من يصغي إليها.
3. ما الذي دفعك إلى تعلّم هذه اللغات؟
كل لغة كانت بالنسبة لي بابًا، لا مجرد وسيلة. كنت أشعر أنني حين أتعلم لغة جديدة، فإنني أقترب من روحٍ أخرى، من ذاكرةٍ أخرى، من طريقة مختلفة لرؤية العالم. لم يكن الدافع أكاديميًا بقدر ما كان إنسانيًا: رغبة في أن أصغي للآخر بلغته، لا عبر وسيط.
4. ما الذي يميّز الأدب الكردي المعاصر عن غيره؟
الأدب الكردي يحمل في داخله ذاكرة كثيفة، تشبه جباله: صلبة، عميقة، وممتدة في الزمن. فيه حزنٌ نبيل، وأملٌ عنيد، وصوتٌ لا يزال يبحث عن فضائه الكامل. ما يميّزه هو صدقه، وارتباطه الوثيق بالإنسان البسيط. ومن خلال الرحلة، حاولت أن أقدّم هذا الأدب لا كهوية مغلقة، بل كصوتٍ إنساني ينتمي إلى العالم.
5. كيف أثّرت الترجمات على اختياراتك الأدبية وأسفارك؟
الترجمة كانت مدرسةً في التواضع والجمال معًا. كل نصٍّ ترجمته فتح لي نافذة، وأحيانًا طريقًا. كثير من المدن عرفتها أولاً في الكتب، ثم ذهبت إليها لأتأكد إن كانت تشبه ما قرأت… أو ما شعرت. وهكذا تداخلت القراءة مع السفر، حتى لم أعد أفرّق بينهما.

6. كيف كان صدى ترجمتك لأعمال الكتّاب، خاصة الشباب؟
كان الصدى مفعمًا بالامتنان، لكنه أيضًا كان مسؤولية. حين يعبر نصٌّ شاب حدود لغته، يشعر كأنه يعبر حدوده الشخصية أيضًا. وهذا يمنحني شعورًا هادئًا بأنني لا أترجم كلمات فحسب، بل أساعد أصواتًا على أن تجد فضاءها الأوسع.
7. إلى أي أفق تتجه طريقتك في الكتابة؟
أحاول أن أكتب باتجاه الضوء الداخلي للإنسان، لا باتجاه الضجيج الخارجي. قد تتغيّر الأشكال، وتتبدّل الأساليب، لكنني أبحث دائمًا عن كتابة تظل قادرة على لمس القارئ بعد زمن، كتابة لا تكتفي بأن تُقرأ، بل تُعاش.
8. ما مدى تأثير رسالتك على المجتمع الكردي اليوم؟
لا أدّعي تأثيرًا كبيرًا، لكنني أؤمن أن الكلمة الصادقة تشبه بذرةً تُزرع في صمت. قد لا نراها فورًا، لكنها تنمو في مكان ما. إذا استطاعت كتاباتي أن تفتح نافذة، أو تزرع سؤالًا، أو تمنح قارئًا شعورًا بأنه ليس وحده… فهذا يكفيني.
9. ما الذي بقي من تجربتك في الإعلام؟
بقيت يقظة العين، وحساسية اللحظة. الإعلام علّمني أن التفاصيل الصغيرة ليست هامشية كما تبدو، وأن وراء كل مشهد قصة تستحق أن تُروى. ربما لم أعد أمارس الإعلام كما في السابق، لكنه لا يزال يسكن طريقتي في النظر والكتابة.
10. كيف توازن بين الواقعية والخيال في الكتابة؟
أتعامل مع الواقع كجذر، ومع الخيال كغصن. لا يمكن للنص أن يعيش دون الاثنين. الواقع يمنحه الصدق، والخيال يمنحه الروح. وبينهما أحاول أن أخلق مساحة يتنفس فيها النص دون أن يفقد ملامحه أو أجنحته.
11. هل تركز أكثر على المكان أم الإنسان؟
المكان بالنسبة لي مرآة، لكن الإنسان هو الصورة. قد أصف المدن، شوارعها، ضوءها، وصمتها… لكنني أبحث دائمًا عن الإنسان الذي يمنحها معناها. فالثقافات تُقرأ في الوجوه، وفي الحكايات الصغيرة التي لا تُكتب في الخرائط.
12. هل قدّمت كتبك صورة مختلفة عن العالم؟
أحاول أن أقدّم العالم كما يُحَسّ، لا كما يُرى فقط. ليس الهدف أن أقدّم صورة مختلفة بقدر ما هو أن أقدّم صورة أعمق، أكثر إنصاتًا للتفاصيل التي لا تُلاحظ عادة. العالم ليس بعيدًا كما نظن، بل يحتاج فقط إلى عينٍ تُبصر وقلبٍ يتأمل.
13. هل ما زلت تبحث عن شيء لم يظهر في أعمالك؟
نعم، وربما هذا هو سرّ الاستمرار. هناك دائمًا شيء ناقص، شيء لم يُكتب بعد، شيء ينتظر الرحلة القادمة أو اللحظة القادمة. البحث لا ينتهي، لأنه في جوهره بحث عن الذات بقدر ما هو بحث عن العالم.
14. إلى أي مدى مزجت تجارب الشعوب مع تجربة شعبنا؟
حاولت أن أكتب من مساحة مشتركة، دون أن أذيب الفروق. هناك إنسان واحد بوجوه متعددة، وثقافات مختلفة لكنها تتقاطع في العمق. ما سعيت إليه هو أن أقرّب هذه المسافات، لا أن أختصرها.
15. ما القطعة التي تختزل روح رحلاتك في متحفك الصغير؟
ربما ليست قطعة بعينها، بل ذلك الصمت الذي يحيط بكل الأشياء. كل تذكار هناك يحمل قصة، وكل قصة تحمل طريقًا. لكن إن كان عليّ أن أختار، فسأقول: تلك الأشياء الصغيرة التي تبدوبلا قيمة… لأنها وحدها تعرف كم من المسافات اختُصرت لتصل إليّ.