فينوس بابان
تتجاوز القراءات الراهنة للمشهد الإقليمي حدود التوقع التقليدي بوقف إطلاق النار لتكشف عن هندسة سياسية معقدة تُدار ضمن نافذة زمنية حرجة لا تتعدى الأسبوعين إن ما يتردد خلف الكواليس حول شروط التهدئة الجزئية لا يؤشر إلى رغبة في إنهاء النزاع بقدر ما يعكس إعادة تموضع استراتيجي لإدارة التصعيد حيث تبرز تصريحات دونالد ترامب بشأن استثناء بعض الساحات الحساسة كدليل قطعي على أننا لسنا أمام بداية انفراج حقيقي بل أمام عملية إعادة توزيع جغرافي وزمني للنار، هذا التوجه نحو استثناء جبهات معينة يعكس تصميماً واعياً لتبني مفهوم الحروب الرمادية، حيث يتم موازنة الضغط العسكري بالقيود السياسية وبناءً عليه فإن الإشارة المتكررة لتوجهات دونالد ترامب في هذا السياق ترفع الغطاء عن استراتيجية الاحتواء النشط، التي لا تهدف لإطفاء الصراع بل لإعادة هيكلته وتنظيمه ضمن توازنات دقيقة تضمن استمرار الرسائل العسكرية دون الانزلاق نحو الانفجار الشامل، المعطيات الاستخباراتية المفتوحة خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى نمط متكرر أكثر من 150 هجوماً منخفض الشدة تم تسجيله في العراق وسوريا منذ أواخر 2023 حتى مطلع 2026 استهدفت قواعد أو مواقع ذات صلة بالوجود الأمريكي أو المصالح الغربية مع اعتماد واضح على طائرات مسيّرة قصيرة المدى وصواريخ غير موجهة منخفضة التكلفة. هذا النمط يعكس تحولاً من الضربة الكبيرة إلى الاستنزاف المستمر حيث الكلفة منخفضة لكن الأثر التراكمي عالي سياسياً وأمنياً، في هذا السياق لا يمكن قراءة موقع إقليم كوردستان كمنطقة هامشية بل كعقدة استراتيجية حساسة الإقليم ليس فقط مساحة جغرافية بل هو نقطة تلاقي بين النفوذ الأمريكي والمصالح الأوروبية في الطاقة، والتوازنات العراقية الداخلية وفق تقديرات غير رسمية يمر عبر الإقليم أو يرتبط به ما يقارب 400 إلى 500 ألف برميل نفط يومياً في فترات الاستقرار النسبي وهو رقم يجعل أي تهديد أمني له تأثيراً مباشراً على الأسواق الإقليمية وثقة المستثمرين لكن الأهم من الأرقام هو الرمزية استهداف الإقليم لا يُقرأ فقط كضربة عسكرية بل كرسالة متعددة الاتجاهات إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى بغداد وإلى الشركاء الدوليين ولهذا فإن أي عودة محتملة للهجمات لن تكون عشوائية بل مصممة بعناية لتبقى تحت عتبة الحرب الشاملة مع الحفاظ على القدرة على الإنكار السياسي.
التحليل الاستخباراتي يشير أيضاً إلى أن الفصائل المسلحة في العراق تمتلك حالياً مخزوناً تكتيكياً من الطائرات المسيّرة يقدّر بالعشرات إلى المئات، مع مدى عملياتي يتراوح بين 200 و700 كيلومتر ما يضع معظم مناطق الإقليم وحتى بعض النقاط في الخليج ضمن نطاق الوصول النظري، لكن الاستخدام الفعلي لهذا المخزون يخضع لحسابات سياسية أكثر من كونه قراراً ميدانياً صرفاً وغالباً ما يرتبط بإشارات إقليمية أوسع قادمة من إيران، أما في الخليج فالصورة لا تقل تعقيداً خلال فترات التصعيد الأخيرة شهدت بعض الدول الخليجية خصوصاً الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية هجمات أو تهديدات مباشرة وغير مباشرة استهدفت منشآت طاقة أو بنى تحتية حساسة في هجمات سابقة على منشآت نفطية انخفض الإنتاج مؤقتاً بملايين البراميل يومياً وتكبدت الأسواق خسائر فورية انعكست على الأسعار العالمية، هذه التجارب خلقت تحولاً في الموقف الخليجي، من الانخراط في التصعيد إلى تبني استراتيجية الاحتواء الهادئ فالدول الخليجية اليوم بعد أن دفعت أثماناً مادية وبشرية باتت أكثر ميلاً إلى دعم أي تهدئة ولو كانت هشة شرط أن تحمي خطوط الطاقة والتجارة لكن هذا لا يعني غياب الردع بل إعادة تعريفه ردع اقتصادي، أمني وتقني دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في هذا الإطار يصبح المشهد في لبنان محورياً حيث أودى التصعيد الأخير بحياة أكثر من 250 شخصاً وأصاب أكثر من 1100 ما يشير إلى تحول من نمط الضربات المحدودة إلى مستوى أعلى من الضغط الاستراتيجي هذا الرقم بعيداً عن كونه مجرد إحصاء يُستخدم لفهم قدرة الأطراف على توظيف الخسائر البشرية كأداة ضغط نفسي وسياسي وإلى خطر انزلاق الحروب الرمادية نحو مواجهات أشد إذا لم تُدار التوازنات بعناية، بالتوازي تحدثت بعض وسائل الإعلام داخل إيران عن حوادث أمنية أو ضربات محدودة في محيط طهران ورغم غياب تأكيدات مستقلة فإن تزامن هذه المؤشرات مع ما يجري في لبنان وبعض دول الخليج يعكس تصاعداً في حرب الإشارات حيث تُستخدم العمليات المحدودة سواء مؤكدة أو مضخّمة إعلامياً كأدوات ضغط ضمن إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ولا يمكن قراءة هذا المشهد دون إدخال عامل إسرائيل، التي تعتمد استراتيجية الضربات بين الحروب أي تنفيذ عمليات دقيقة ومحدودة تهدف إلى إضعاف الخصوم دون التورط في حرب شاملة هذا النهج يجعل من الساحات المحيطة خصوصاً لبنان وسوريا مسارح مفتوحة لرسائل متبادلة ويُبقي مستوى التوتر مرتفعاً حتى في ظل أي هدنة معلنة، تصريحات بنيامين نتنياهو حول تفوق إسرائيل وإضعاف إيران تُقرأ ضمن هذا السياق فهي رسالة ردع واستراتيجية للحفاظ على اليد العليا بينما تُترك مساحة للفصائل لإعادة ترتيب صفوفها في حدود الهشاشة الإقليمية، أما في الداخل العراقي، فإن بغداد تقف في موقع بالغ الحساسية الحكومة العراقية بين التزاماتها السيادية وضغوط الفاعلين المسلحين وبين علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ما يجعل قدرة بغداد على ضبط الإيقاع الأمني محدودة نسبياً ويُبقي الساحة مفتوحة أمام احتمالات الانفلات المحسوب حيث تقع الهجمات دون أن تصل إلى مستوى الانهيار الكامل للسيطرة تصريحات دونالد ترامب وبزيشكيان تحدد الخطوط الحمراء وتوفر إطاراً مرجعياً لإدارة التوتر بما يحفظ الهدنة كأداة ديناميكية وليس اتفاقاً نهائياً خلال الساعات والأيام القادمة تشير المؤشرات إلى ثلاثة مسارات محتملة، الأول استمرار الهدوء المتوتر مع تسجيل حوادث محدودة تحمل طابع الرسائل أكثر من التصعيد، الثاني اختبار فعلي لحدود الهدنة عبر ضربات محسوبة في ساحات غير مشمولة العراق و إقليم كوردستان من بينها أما الثالث وهو الأقل احتمالاً لكنه قائم فهو انزلاق سريع نتيجة خطأ في الحسابات أو رد فعل غير متوقع زيادة وتيرة الهجمات بالطائرات المسيّرة أو استهداف مواقع حساسة في الإقليم قد يشير إلى انتقال من الرسائل إلى الضغط التصاعدي بينما أي استهداف مباشر لمنشآت الطاقة في الخليج قد يمثل نقطة تحول نحو مرحلة أكثر خطورة.
وتبرز مسألة الخطوط الحمراء التي تحكم هذا النوع من الصراع الحروب الرمادية تقوم على البقاء دون عتبة الحرب الشاملة لكن هذه العتبة ليست ثابتة من أبرز المؤشرات التي قد تدفع نحو تحول نوعي سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في ضربة واحدة استهداف مباشر لقوات أمريكية أو ضرب منشآت طاقة استراتيجية يؤدي إلى شلل اقتصادي ملموس عند هذه النقطة قد تنتقل الأطراف من إدارة الصراع إلى فرض معادلة جديدة بالقوة وهو ما يعني الاقتراب من حرب مفتوحة.
في النهاية لم تعد الحرب تُعلن ولم يعد السلام يُوقّع، ما يجري هو إدارة مستمرة للتوتر حيث تُستخدم الجغرافيا كساحة تفاوض وتتحول المناطق الحساسة مثل إقليم كوردستان،جنوب العراق لبنان والخليج إلى نقاط قياس لدرجة الحرارة الإقليمية الهدنة ليست نهاية شيء بل بداية مرحلة أكثر غموضاً حيث كل هدوء يحمل في داخله احتمال الانفجار وكل انفجار يُستخدم لإعادة رسم حدود الهدوء، كما تحمل هذه المرحلة رسالة واضحة إلى صناع القرار في كل مكان على الشعوب والحكومات أن تدرك أن أي خفض توتر أو اتفاق جزئي لا يعني انتهاء التحديات وأن التحلي بالصبر والمراقبة الدقيقة وتحليل كل مؤشر استراتيجي بات ضرورة قصوى للحفاظ على الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحرجة.