رثاء الكاتب الروائي الراحل سليمان البكري )رحمه الله)

د.نزار الربيعي

لم يكن رحيل الكاتب الروائي سليمان البكري حدثاً عابراً في سجل الثقافة العربية، بل كان غياباً ثقيلاً ترك فراغاً عميقاً في ذاكرة الأدب ووجدان القراء. لقد كان البكري صوتاً أدبياً متفرداً، حمل قلمه ليحكي عن الإنسان في ضعفه وقوته، عن الوطن في جراحه وأحلامه، وعن الحياة في تعقيداتها وتناقضاتها. كان من أولئك الكتّاب الذين لا يكتفون بسرد الحكاية، بل يعيدون تشكيل العالم من خلالها.

ولد سليمان البكري في بيئة بسيطة، لكنها غنية بالقيم الإنسانية والتجارب الحياتية التي شكّلت لاحقاً نواة مشروعه الأدبي. منذ سنواته الأولى، بدا شغفه بالكلمة واضحاً، إذ كان يجد في القراءة ملاذاً وفي الكتابة وسيلة للتعبير عن ذاته. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشغف إلى رسالة حملها على عاتقه، ليكون شاهداً على عصره ومعبّراً عن هموم مجتمعه.

امتاز البكري بأسلوبه السلس العميق، الذي يجمع بين البساطة والرمزية، وبين الواقعية والخيال. كانت رواياته تعكس قدرة فريدة على الغوص في أعماق النفس البشرية، حيث استطاع أن يرسم شخصيات نابضة بالحياة، تعيش صراعاتها الداخلية والخارجية بصدق وإقناع. لم يكن يكتب من أجل الترف الأدبي، بل كان يرى في الكتابة مسؤولية أخلاقية وإنسانية.

لقد تناولت أعماله قضايا متعددة، من الفقر والاغتراب إلى الهوية والانتماء، ومن الصراع الاجتماعي إلى الأمل في التغيير. كان يؤمن بأن الأدب ليس مجرد انعكاس للواقع، بل أداة لإعادة تشكيله، ولهذا جاءت نصوصه غنية بالدلالات ومفتوحة على التأويل.

لم يكن البكري بعيداً عن قضايا أمته، بل كان قريباً من نبض الشارع، متفاعلاً مع الأحداث، ومعبّراً عنها بلغة تجمع بين الحس الإنساني والوعي الفكري. لقد كتب عن الإنسان العربي في زمن التحولات، وعن معاناته وآماله، وعن صراعه من أجل الكرامة والحرية، مما جعله جزءاً من الذاكرة الثقافية المعاصرة.

وإذا كان لكل كاتب بصمته، فإن بصمة سليمان البكري كانت واضحة في قدرته على المزج بين الحكاية والتأمل، بين السرد والتحليل. لم يكن يقدّم أجوبة جاهزة، بل كان يفتح أمام القارئ أبواب الأسئلة، ويدعوه إلى التفكير وإعادة النظر في المسلّمات.

لم يكن البكري مجرد روائي، بل كان مثقفاً يحمل رؤية، ويسعى إلى بناء وعي. لقد شارك في الندوات الثقافية، وكتب المقالات الفكرية، وأسهم في إثراء الحوار الأدبي، مؤمناً بأن الثقافة هي أساس نهضة المجتمعات.

ومع كل هذا العطاء، جاء الرحيل ليضع نهاية لمسيرة زاخرة بالإبداع، لكنه لم يكن نهاية للأثر. فالأدب الحقيقي لا يموت بموت صاحبه، بل يبقى حياً في كتبه وفي ذاكرة قرائه.

إن رثاء البكري لا يكون بالبكاء على غيابه فقط، بل بالاحتفاء بما قدّمه، وبالوفاء لرسالته الأدبية. فالكلمات التي كتبها لا تزال تنبض بالحياة، وتواصل رحلتها في وجدان القراء.

رحم الله سليمان البكري، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من أدب وعلم في ميزان حسناته. لقد فقدنا جسداً، لكننا كسبنا خلوداً أدبياً، سيظل يذكّرنا بأن الكلمة الصادقة لا تموت.

لقد كانت تجربة البكري الأدبية تجربة إنسانية بامتياز، حيث لم ينفصل فيها النص عن الواقع، بل كان امتداداً له. لقد منح شخصياته صوتاً يعبر عن المهمشين، وعن أولئك الذين لا تصل أصواتهم بسهولة.

كما أن لغته الأدبية لم تكن مجرد أداة سرد، بل كانت فضاءً جمالياً يحمل إيقاعاً خاصاً، يجعل القارئ يعيش النص لا يقرأه فقط. وهذا ما ميّز أعماله ومنحها خصوصيتها.

إن فقدان البكري يذكرنا بقيمة الكلمة الصادقة، وبأهمية الدور الذي يلعبه الكاتب في تشكيل وعي المجتمع، فهو لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان صانعاً للمعنى.

سيبقى إرثه الأدبي حاضراً في كل قراءة جديدة، وفي كل قارئ يجد نفسه بين سطور نصوصه، وكأن الكاتب لا يزال يحاوره ويشاركه أفكاره.

وهكذا، فإن الرثاء الحقيقي له يكون بالحفاظ على هذا الإرث، وبالاستمرار في قراءة أعماله، ونقلها إلى الأجيال القادمة.

قد يعجبك ايضا