ملا مصطفى بارزاني.. سيرة حاضرة بين المصريين

حسين متولى

في مصر، بات تقليدا منذ سنوات، مشاركة المصريين مع الأشقاء الكورد، والعراقيين، بذكرى ميلاد الزعيم ملا مصطفى بارزاني، كل عام، ولم تعد سيرته مقترنة على ألسنتهم باحتفالات مكتب الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحدها، بل عززتها كتابات السيد شيركو حبيب تباعا، وصولا إلى جملة مؤلفاته عن تاريخ الكورد المعاصر وقياداتهم، التي زينت أرفف أهم دور النشر المصرية في معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال يناير الماضي.

وجاء احتفال مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني في القاهرة، مساء الثلاثاء الماضي، بمرور 123 عاما على ميلاد الزعيم الكوردي ملا مصطفى بارزاني، ليعكس مجددا حقيقة واضحة، مفادها أن المصريين يضعون هذا الزعيم القومي في مكانة خاصة بقلوبهم، وهم من آمنوا ودافعوا عن فكرة القومية، وتبناها الزعيم العربي المصري الراحل جمال عبد الناصر، وقد كان لقاء البارزاني وناصر في الخامس من أكتوبر عام 1958 ترجمة لهذا التقدير المصري لهذا الزعيم الكوردي، وما حمله من هموم وقضية شعبه العادلة، التي تستند في أصلها على فكرة القومية، وتحمل داخلها مقومات حضورها وبقائها، اللغة والعرق والهوية والخصوصية الثقافية، وهي حقيقة اتفق عليها مؤرخون كبار تعمقوا في فكرة القومية وقدموا الأسانيد على مشروعيتها وقدرتها على حماية حقوق الشعوب الحرة و المتحررة، وأبرزهم المؤرخ الكبير الأستاذ الدكتور عاصم الدسوقي، الذي قدم إيضاحا وتفسيرا مهمين لعلاقة بارزاني وناصر.

ثم إن ملا مصطفى بارزاني مؤسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني عام 1946 كسب احترام وتقدير العراقيين كافة، وهو أمر نلحظه في مصر بمشاركتهم الدائمة في الاحتفاليات بسيرته، فهم يتذكرون دوما أنه من رفع شعار “الديمقراطية للعراق”، وهو شعار يحتاج العراقيون كافة لاستعادة روحه ومفهومه وتطبيقه صراحة، بعد نجاحهم في صياغة دستور جديد منذ أكثر من عقدين، ففي الالتزام به دون تبديد أي من بنوده أو إهمالها مخرج حقيقي للبلد العريق من أزماته المتلاحقة في زمن الأحداث الإقليمية والدولية المتسارعة.

في سيرة بارزاني، تحضر قيمة العلاقات الكوردية المصرية بامتدادها التاريخي، وقد تمصرت عائلات كوردية حضر بعضها للعيش على أرض المحروسة قبل نحو ألف عام، وأدرك العالم العربي والإسلامي قيمة هذا العرق النقي حينما ظهر بينهم صلاح الدين الأيوبي، ذلك القائد التاريخي الذي اقترنت سيرته بالفداء والتضحية والتسامح، حتى تعجب لأمره خصومه قادة الحملات الصليبية المتتابعة على المشرق، ربما تلك الخصال ذاتها يلحظها كل منصف في ذكر البارزاني، ملا مصطفى ومن بعده الزعيم مسعود الذي يقدره العالم ويعرف قيمته ومواقفه قادة العراق كافة.

تلك العلاقات بين الكورد والمصريين انتقلت تباعا من حالتها الإسمية والتاريخية والروحية إلى الفعل، منذ ظهر ملا مصطفى بارزاني على الجبهة المصرية في بورسعيد، وانطلق الصوت الكوردي من القاهرة عبر إذاعة صوت العرب، وقد سبقه بأكثر من نصف قرن طباعة أول صحيفة ناطق باسم الكورد في مصر.

تعززت العلاقات الكوردية المصرية في حالتها الفعلية منذ استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لدولة رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، قبل نهاية العام الماضي، وهي زيارة تاريخية حقا سبقت أحداثا خطيرة تمر بها منطقة الشرق الأوسط دون توقف، منذ دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مرحلة اللاعودة، وتوسعت بقرارات طهران التعامل بصواريخها ومسيراتها مع بلدان الخليج والعراق وكوردستان، ومبكرا قرأ القائدان الحقائق وقدما التصورات المشتركة تجاه الواقع والمستقبل، محذرين من تفاقم الأزمات وتوقف عجلة التنمية واستحقاقات الشعوب كنتيجة حتمية للحرب مع فقدان الاستقرار والأمن.

ولا عجب في أن تكون رؤية قادة التسامح وحدهم هي الأصدق، وأن تكون شعوب بلدانهم الأكثر احتياجا لاستدعائها واستلهام الحكمة منها وترجمة المتعقلين من الساسة لها، فتتحقق لبلدانهم أهدافها الوطنية، ونؤمن بأحقية كافة مكونات العراق في استقرار سياسي وتشكيل حكومة تأخر كثيرا كالعادة دون سبب منطقي، حتى وجدنا البلد متورطا في حرب لا علاقة لأهله بأسبابها ، وبالتالي تدار الأزمات بالقطعة ويعمل كل فريق في جزر منعزلة، ما يضيع فرص التفكير الجماعي في المستقبل المشترك حتما.

هنيئا لمن عاش بارزاني بينهم، وتحية لشعوب قدمت التضحيات في مواقف فرضت عليها الظروف مواجهات ما لم تطقه غيرها، وحدها ظلت تمتلك إجابات واضحة عن استفهامات حول المستقبل، هكذا الكورد وزعيمهم التاريخي ملا مصطفى بارزاني، الذي داوم على النضال لأجل الديمقراطية للعراق والحرية لشعبه، حتى احترمه الجميع، وانتزع مكانته التاريخية في قلوبهم باقتدار.

قد يعجبك ايضا