الصحفي حيدر فليح الشمري
في الأزمنة التي تتكثف فيها السياسة حتى تصبح قابلة للاشتعال ، لا يعود البحر مجرد ماء ، ولا تتحول المضائق إلى ممرات ، بل إلى أعصاب مكشوفة في جسد العالم ، هناك عند مضيق هرمز ، لا تعبر ناقلات النفط فقط ، بل تمرّ احتمالات الحرب ، وارتباك الأسواق ، وقلق العواصم التي تعرف أن أي خطأ صغير قد يكتب فصلاً جديدًا من الفوضى الكبرى .
في هذا السياق خرجت الخارجية الروسية على لسان ماريا زاخاروفا بتصريحات تحمل لهجة تحذيرية واضحة ، لكنها لم تكن بالصورة الكارثية التي تُتداول في بعض الخطابات الإعلامية ، فقد أكدت أن أي مبادرات تقودها الولايات المتحدة لتشكيل تحالفات عسكرية في المنطقة “ لن تسهم في الاستقرار ” ، بل قد “ تؤدي إلى تصعيد التوتر وزيادة المخاطر ” ، كما شددت على أن ضمان أمن الملاحة يجب أن يتم عبر دول المنطقة نفسها ، لا من خلال وجود عسكري خارجي يفاقم التعقيد بدل أن يحلّه .
هذا الخطاب الروسي لا يعلن حربًا ، لكنه لا يخفي قلقًا عميقًا من انزلاق غير محسوب ، هو أقرب إلى رسالة ردع سياسية ، مفادها أن عسكرة الممرات البحرية الحساسة ، خصوصًا في ظل التوتر مع إيران ، قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا .
في الجهة المقابلة لا تبدو الولايات المتحدة بعيدة عن هذا التصور ، لكنها تتعامل معه من زاوية مختلفة ، ففكرة “ حماية الملاحة الدولية ” تُستخدم كغطاء استراتيجي لحضور عسكري يهدف إلى ضبط التوازن ، أو إعادة تشكيله ، وبين هذا وذاك تقف الدول الأخرى في منطقة رمادية :
هل تنضم إلى التحالفات فتُحسب طرفًا ؟
أم تنأى بنفسها فتُتهم بالتقاعس ؟
أما الحديث عن توقف الملاحة في المضيق ، فهو حتى اللحظة أقرب إلى القلق المشروع منه إلى الواقع الفعلي ، فحركة السفن لم تتوقف ، لكنها أصبحت أكثر حذرًا ، وأكثر كلفة ، وأكثر ارتباطًا بحسابات التأمين والمخاطر ، وهذا وحده كافٍ ليكشف هشاشة المشهد :
العالم لا يحتاج إلى إغلاق المضيق فعليًا ، يكفي أن يشعر بأنه قد يُغلق ، حتى تبدأ التداعيات .
في خلفية المشهد تعود التصريحات السياسية لتضيف طبقة أخرى من التوتر ، فقد عبّر دونالد ترامب في أكثر من مناسبة عن امتعاضه من تحمّل بلاده أعباء حماية الممرات الدولية دون مشاركة كافية من الحلفاء ، وهو خطاب يعكس تحوّلًا في الذهنية الاستراتيجية ، من الهيمنة المنفردة إلى البحث عن شركاء ، حتى لو كان الثمن إعادة توزيع القلق بدل تقليصه .
ما يحدث اليوم ليس حربًا…
لكنه ليس سلامًا أيضًا .
إنه ذلك الفراغ الخطير بين الاثنين ، حيث تُختبر الأعصاب ، وتُكتب الرسائل بالنوايا أكثر مما تُكتب بالأفعال .
السؤال الحقيقي لم يعد :
هل ستندلع المواجهة ؟
بل من سيتحمل كلفة الاقتراب منها أكثر ؟
في مضيق هرمز لا شيء يحدث صدفة .
كل سفينة تمر ، تمرّ معها رهانات .
وكل تصريح يُقال ، يُقاس بوزن ما قد يشعله…
لا بما يقوله فقط .