ضعُف الطالب والمطلوب

سمير ميراني

الجزء الاول

يقف البعض بين وطنٍ مهمل وظلٍّ بعيد، يطلبون العزّ من الخيال وينسون الحقيقة.
في زمن تختلط فيه المعايير وتضطرب فيه البوصلة بين الولاء والانتماء، يبرز سؤال هادئ لكنه عميق، لمن يكون الانتماء حين يتنازع القلب بين وطن قريب وآخر بعيد يُتوهم فيه العز؟
ليست المشكلة في الاختلاف بحد ذاته، بل في طبيعة الوحدة التي تجمع المختلفين، عندما تتأسس على ولاء لا ينبع من الأرض التي يقفون عليها، ولكن من ظلٍّ آخر يظنونه مصدر القوة والمنعة، وما أغرب أن يُطلب العزّ في غير موضعه، وأن يلتمس الرفعة عبر الخضوع لا عبر البناء، وكأن الكرامة تستورد ولا تصنع من داخل التجربة الوطنية.
لقد تأسست هذه الرؤية على معادلةٍ معكوسة ترى القرب من الآخر رفعة، والابتعاد عن الوطن سمواً، وهي معادلة لا تصمد أمام اختبار الواقع، فالآخر الذي رُفع إلى مرتبة القوة، لم يثبت أنه قادر على دفع الضُر عن نفسه، ولا على تحقيق نصر حاسم، ولا حتى على صيانة صورة القوة التي يروج لها.
إنه كيانٌ مزخرف، مطلي بألوان الوهم، يبدو صلباً من بعيد، لكنه هشٌّ عند الامتحان، وقد صار في لحظات الحقيقة عرضةً للنهب والتآكل، فكيف يُعقل أن يدافع عن هذا ( الآخر ) من عجز عن الدفاع عن ارضه؟ وكيف يُرفع شأن من لم يرفع شأن وطنه ؟.
إن الانكباب في أحضان الغير ليس دليل قوة، بل اعتراف خفي بالضعف، ولو كان الإيمان بالوطن حاضراً لما استبدل القريب بالبعيد، ولا الأصيل بالدخيل.
إن ما يشبه ( الصنم ) هنا ليس مجرد فكرة عابرة، إنما منظومة تُضحَّم حتى تُقدَّس، ثم تتهاوى عند أول اختبار، لتكشف أن العابد والمعبود كلاهما في دائرة العجز، فالضعف لا يسكن طرفاً دون آخر، بل يشمل التابع والمتبوع، يشمل الطالب والمطلوب، في علاقة تتغذى على الوهم وتنهار على الحقيقة، ولا يقف أثر ذلك عند حدود الفكرة، إنما يمتد إلى الواقع، حيث تُرتكب أفعال تلحق الضرر بشركاء الوطن، وتعمّق الشروخ بين مكوناته، وكأن الوطن لم يعد جامعاً بل ساحة صراع.
في هذا الانكشاف يتبين الفرق بين من يرى الوطن قيمة عليا ومن يراه مجرد محطة عابرة، بين من ينتمي ومن يتبع، بين من يبني ومن يهدم.
لقد سقط الغطاء، ولم يعد بالإمكان إخفاء التباين بين وعي يتجه نحو تثبيت الكيان الوطني، ووعي يذوب في تبعية لا تمنحه قوة ولا كرامة، والغاية من هذا الطرح ليست الادانة بقدر ماهي التبصير، فإدراك الخطأ هو أول طريق التصحيح، وإعادة الاعتبار للوطن، ليست خياراً بل ضرورة وجود.
في النهاية، لا تكون المأساة في أن يتبع الضعيف قوياً موهوماً، بل في أن يكتشف متأخراً، أن ما تبعه لم يكن قوياً أصلاً، عندها لا يسقط ( الآخر) وحده، بل يسقط معه حتماً كل من علق عزّه به، و يغدو الوطن- الذي أهمل- أفقر بأبنائه، وأثقل بخيباتهم.

قد يعجبك ايضا