شريف علي
العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، علاقة مشحونة بتاريخ طويل من الشكوك، بدأت منذ سقوط الشاه عام 1979 وصعود الجمهورية الإسلامية بمشروع يحمل بصمة أوربية واضحة وبزعامة آية الخميني التي قلبت ميزان القوى في المنطقة. منذ تلك اللحظة، تشكلت لدى واشنطن ما يمكن تسميته بـ”المنظور الأمريكي” تجاه إيران: رؤية تعتبر طهران دولة خارجة عن النظام الإقليمي الذي حاولت الولايات المتحدة بناءه بعد الحرب العالمية الثانية. منظور يقوم على فكرة أن إيران، إذا تُركت دون قيود، ستتحول إلى قوة قادرة على تهديد مصالح واشنطن وحلفائها، من الخليج إلى إسرائيل.
في المقابل، تشكل لدى طهران منظور مضاد، مبني على تجربة مريرة مع الغرب. الثورة الإيرانية لم تكن مجرد تغيير نظام، بل إعلان قطيعة مع النفوذ الأمريكي. ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988) بمشروع امريكي لتعمّق هذا الشعور حسب تقديرات معظم المراقبين. الحرب التي استمرت ثماني سنوات، خاضتها إيران وحدها تقريباً، بينما كانت الولايات المتحدة ومعظم دول الخليج تدعم العراق. تلك الحرب تركت في الوعي الإيراني قناعة بأن الاعتماد على الذات ليس خياراً، بل ضرورة وجودية. ومن هنا نشأت فكرة “النفوذ الإيراني”وبناء أذرع إقليمية، التي تراها واشنطن توسعاً، بينما تراها طهران خطوط دفاع متقدمة تمنع تكرار ما حدث في الثمانينيات.
ثم جاء غزو العراق عام 2003، الذي فتح الباب أمام إيران لتوسيع حضورها في بغداد، وتستغل الظروف التي تهيأت للتمدد الى بلدان أخرى. بالنسبة لواشنطن، كان ذلك مثالاً واضحاً على “القوة التوسعية” الإيرانية. أما بالنسبة لطهران، فقد كان الغزو الأمريكي فرصة نادرة لإبعاد خصم تاريخي عن حدودها، وتعويض خسائر الحرب الطويلة. ومن هنا بدأ الصراع يأخذ شكلاً جديداً: صراع نفوذ مباشر في العراق، ثم في سوريا بعد 2011، وفي لبنان عبر حزب الله، وفي اليمن عبر الحوثيين.
الاتفاق النووي عام 2015 كان محاولة لتهدئة هذا الصراع. اتفاق أعطى إيران اعترافاً دولياً ببرنامجها النووي السلمي، مقابل قيود صارمة. لكنه لم يمسّ الصواريخ ولا النفوذ الإقليمي، وهما الملفان اللذان تعتبرهما واشنطن جوهر المشكلة. لذلك، عندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق لاحقاً، لم يكن الأمر مجرد خلاف على بنود، بل إعلاناً بأن واشنطن تريد اتفاقاً يعيد صياغة دور إيران بالكامل في المنطقة، لا مجرد ضبط تخصيب اليورانيوم.
في هذا السياق، يصبح معنى “النفوذ الإيراني” أكثر وضوحاً. إنه ليس مجرد وجود سياسي أو عسكري في دول الجوار، بل شبكة معقدة من العلاقات مع جماعات مسلحة، وأحزاب سياسية، ومؤسسات اقتصادية. شبكة تمنح إيران قدرة على التأثير في ملفات حساسة: أمن الخليج، مستقبل العراق، الحرب في سوريا، استقرار لبنان، وحتى الملاحة في البحر الأحمر. بالنسبة لواشنطن، هذا النفوذ يشبه شجرة تمتد جذورها في كل اتجاه.
أما “القوة التوسعية” التي تتحدث عنها واشنطن، فهي ليست توسعاً جغرافياً بالمعنى التقليدي، بل توسع نفوذ، توسع قدرة على التأثير، توسع في استخدام الوكلاء. إيران لا ترسل جيوشاً، لكنها ترسل مستشارين، وتدعم جماعات، وتبني تحالفات. إنها قوة تنتشر بصمت، مثل الماء الذي يتسرب بين الصخور، لا يُرى بسهولة، لكنه يغيّر شكل الأرض بمرور الوقت.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الأطراف الأخرى. دول الخليج ترى في إيران خصماً يهدد أمنها الداخلي قبل الخارجي. السعودية والإمارات تعتبران أن النفوذ الإيراني في اليمن والعراق وسوريا يشكل طوقاً يقترب من حدودها. كوردستان تنظر إلى إيران كجار قوي، قادر على التأثير في استقرار الاقليم وتوازناتها الداخلية، وخلافات هولير مع بغداد .
إسرائيل ترى في إيران التهديد الوجودي الأول، ليس فقط بسبب النووي، بل بسبب حزب الله والصواريخ الدقيقة التي تنصبها على الحدود الشمالية لإسرائيل. روسيا من جهتها، ترى في إيران شريكاً ضرورياً في المنطقة مع زوال الدور السوري، لكنها لا تريدها قوية إلى درجة تهدد نفوذ موسكو. أما الصين، فهي تنظر إلى إيران كجزء من مشروعها الاقتصادي الكبير وخزان الطاقة الاحتياطية لها، وكورقة ضغط غير مباشرة على الولايات المتحدة.
أما تركيا، فهي لاعب لا يمكن تجاهله. دولة ذات كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، وعضو في الناتو، وخلفية إسلامية تجعلها حالة خاصة في الحسابات الغربية. تقارير مراكز أبحاث غربية تشير إلى أن بعض دوائر صنع القرار في أوروبا والولايات المتحدة تنظر إلى تركيا كقوة يجب احتواؤها لا تركها تتضخم، خصوصاً إذا اقتربت من إيران أو روسيا. أنقرة تحاول الاستفادة من الصراع دون الانخراط فيه مباشرة: تدين الضربات على إيران، لكنها لا تريد حرباً شاملة تزعزع حدودها واقتصادها، وتحرص في الوقت نفسه على عدم خسارة واشنطن تماماً.
وسط كل هذه الأطراف، تتحرك إيران وأمريكا كأنهما لاعبان على رقعة شطرنج معقدة. أحياناً تتحرك واشنطن خطوة طويلة، مثل اغتيال قاسم سليماني، وقادوة إيرانيين يديرون شبكة الأذرع الإيرانية في المنطقة. وأحياناً تتحرك إيران خطوة قصيرة، مثل استهداف قواعد أمريكية عبر وكلائها. وفي أحيان أخرى، يتوقف اللاعبان قليلاً، يراقبان، ينتظران، كأنهما يعرفان أن أي حركة خاطئة قد تشعل المنطقة كلها.
المشهد المستقبلي مفتوح على احتمالات كثيرة. قد يتجه الطرفان إلى اتفاق جديد، لكن هذا يتطلب تنازلات مؤلمة من الجانبين. وقد يستمر التصعيد القائم، دون الوصول إلى حرب شاملة. لكن هناك احتمالاً آخر، لا يتحدث عنه كثيرون، لكنه يلوح في الأفق كلما ضعفت الدولة المركزية في إيران، وكلما زادت الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية. احتمال أن تدخل إيران مرحلة تفكك داخلي، عبر حرب متواصلة تدمر البنية التحتية والقوة العسكرية، واحتجاجات في الجنوب، وكوردستان، وبلوشستان.
اقتصاد يعيش تحت العقوبات منذ عقود، مع تضخم مرتفع، وعملة تتآكل قيمتها، وبطالة متصاعدة بين الشباب، تقارير دولية تشير إلى أن الريال فقد جزءاً كبيراً من قيمته خلال السنوات الأخيرة، وأن معدلات التضخم وصلت إلى مستويات قياسية.
اجتماعياً، شهدت إيران موجات احتجاج واسعة الحركة الخضراء عام 2009، احتجاجات 2017–2019 على أسعار الوقود، ثم احتجاجات 2022 بعد مقتل الفتاة الكوردية مهسا أميني. هذه الموجات المتكررة تعكس هشاشة اجتماعية تحت السطح، وتراجعاً في شرعية النظام.
تاريخياً، فإيران ليست غريبة عن لحظات التفكك أو شبه التفكك: من اضطرابات العهد القاجاري، إلى سقوط الشاه عام 1979، مروراً بمحاولات انفصال في الأطراف، في أعقاب الحرب العالمية الثانية حيث تم اعلان جمهوية مهاباد الكوردية في كوردستان الشرقية 1946، وجمهورية آذربيجان. هذا التاريخ يقول إن الدولة الإيرانية ليست عصية على الاهتزاز إذا تداخلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في لحظة واحدة.
وإذا حدث ذلك، فإن خريطة المنطقة كلها قد تتغير. فإيران ليست دولة صغيرة، بل كتلة جغرافية وسياسية وثقافية ضخمة غير منسجمة. وانهيار قوة بهذا الحجم سيخلق فراغاً لا يمكن ملؤه بسهولة، وسيعيد رسم حدود النفوذ في الشرق الأوسط من جديد.
ربما لن يحدث هذا غداً، وربما لن يحدث بعد عام. لكن التاريخ يقول إن القوى الإقليمية الكبرى لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء، حتى يأتي يوم تبدو فيه كما لو أنها انهارت في لحظة واحدة. وإذا وصلت إيران إلى تلك اللحظة، فإن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة، مرحلة يعاد فيها توزيع القوة، وتُرسم فيها خرائط جديدة، وتظهر فيها تحالفات لم تكن ممكنة من قبل.
هذا هو المستقبل المحتمل للصراع بين أمريكا وإيران: صراع قد ينتهي باتفاق، وقد يستمر كتوازن هش، وقد ينفجر من الداخل قبل أن ينفجر من الخارج. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لن يبقى كما هو، وأن السنوات القادمة ستشهد تحولات عميقة، ربما تكون بدايتها من طهران، وربما من مكان آخر، لكن تأثيرها سيصل إلى كل زاوية في المنطقة.