الأديب يشار كمال و مرآة الألم

خليل عبد الله

“يا أوز ويا سنونو، يا أوز ويا سنونو، يا أوز ويا سنونو التي تحلق في السماء، بلغوا سلامي إلى بحيرة وان، إلى مياهها الزرقاء، إلى ينابيعها المتدفقة، إلى جبالها، إلى سهولها الخضراء الذي يتدفق منها العسل واللبن”

من كتاب مرآة الألم! للكاتب بشار كمال

المرحوم الأديب الروائي يشار كمال كاتب عالمي شهير. على الرغم من أنه كتب أعماله باللغة التركية وحُرم من القراءة والكتابة بلغته الأم الكورديةً بسبب الظروف الصعبة والقوانين السائدة في تركيا ، إلا أنه لم يُخفِ قط حقيقة كونه كرديًا ومن مدينة فان تلك المدينة المطلة على بحيرة وان وجبل أرارات في شمال كردستان. في عام ٢٠١٠، أثناء سفره إلى مملكةً السويد، سأله مراسل من القسم الكردي في إذاعة السويد ( اعتقد كان المراسل الصديق ناصر سينا) عما إذا كان كورديًا أم تركيًا. أجاب انذاك :
“أولئك الذين يقولون لي إنني لست كورديًا لأني لم أكتب بالكوردية هم من الاغبياء. أنا أعرف الكوردية جيدًا لأني كوردي ابن كوردي.” ( وهذا ما كان قد أفصحه لي في لقائي معه في انقرة عام ١٩٧٦، إيضاح من قبل المترجم).
مع أن جميع رواياته مكتوبة بالتركية، إلا أنها تتناول في موضوعاته آلام ومعاناة وقمع السلطة للشعب الكوردي ويعكس الارث الثقافي لشعبه كما لغيره من الشعوب الفقيرة. تنحدر عائلته من ضفاف بحيرة فان، لكنها انتقلت إلى قرية حاميتاي في مدينة أضنة في الجنوب. وُلد يشار كمال عام ١٩٢٣ في هذه القرية. كان في الخامسة من عمره عندما قُتل والده في احد المساجد. تركت الحادثة ، المأساة أثرًا عميقًا في نفسه ولن ينساها أبدًا. درس يشار كمال اللغة التركية في قرية برهانلي، قضاء قادرلي، التابعة لمدينة أضنة. عمل موظفًا وسائقًا ومشرفًا وحارس أمن. كان مهتمًا بالكتابة منذ صغره. بدأ بجمع القصائد الشعبية التركية. وفي عام ١٩٤٣، نشر كتابًا بعنوان “التجديدات”. انخرط مبكراً في السياسة، وتأثر بالفكر والمعتقدات الماركسية بسبب حياته البائسة، وفي أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، بدأ ينشر هذه المعتقدات.
سُجن في أضنة لهذا السبب وقضى عاماً في السجن. ثم انتقل إلى إسطنبول، حيث عمل صحفياً في صحيفة جمهوريت، الشهيرة مُعدّاً التقارير لها. في عام ١٩٦٢، انضم إلى حزب العمال التركي وأصبح زعيماً له. سُجن عدة مرات وتعرض للتعذيب الشديد بسبب كتاباته ونشاطه السياسي. كان حلمه وشغفه الأكبر هو الأدب، فترك السياسة وكرّس نفسه للأدب. بدأ بجمع الأغاني الشعبية والقصص القصيرة والمقالات الصحفية. كما كتب روايات. في عام ١٩٥٥، كتب الجزء الأول من رواية “محمد النحيل İnce Memed”، ترجمها الى اللغة الكوردية شكر مصطفى وعبدد الله حسن زادة وهي رواية رائعة كان لها أثر كبير وتُرجمت إلى لغات عديدة.

Screenshot

رُشّح للجائزة نوبل عدد من المرات ، لكنه لم يفز بها. لاحقاً، كتب ثلاثة أجزاء أخرى من الرواية، تُرجمت جميعها إلى الكوردية. كما تُرجمت تسع روايات أخرى إلى اللغة الكوردية. كما ترجم عز الدين مصطفى رسول روايته أسطورة جبل اگري للكورية ( كنت قد أخذت نسخة من الكتاب وسلمته للكاتب، ملاحظة المترجم( كتب العديد من الروايات الأخرى، والتي تُرجمت أعماله إلى أكثر من 50 لغة أجنبية ونُشرت على نطاق واسع. للكاتب والروائي يسار كمال 45 كتابًا منشورًا، أكثر من نصفها روايات. كما حاز على أكثر من 40 جائزة تقديرًا لأعماله القيّمة والجميلة، حتى أنه نال درجة الدكتوراه الفخرية من إحدى الجامعات الأوروبية. رغم سجنه وتعذيبه مرات عده بسبب كتاباته ومواقفه، لم يستسلم. استسلم للسلطات التركية، حيث استقبله الرئيس التركي عبد الله گول في القصر الجمهوري ومنحه أرفع وسام دولة. ولأن رواياته عكست كذلك معاناة الشعب الأرمني، فقد حظي بمحبة الشعب الأرمني، ومنحه رئيس أرمينيا جائزة قيّمة. توفي في 28 فبراير/شباط 2015 في إسطنبول، حيث دُفن في جنازة وطنية. رحم الله يشار كمال، الكاتب والروائي الكوردي العظيم.
لم تمنعه ​​اللغة من نقل أحزان ومعاناة شعبه والشعوب المضطهدة الأخرى إلى العالم.
ملاحظة: استعنت بمقال لصديقي بكر شواني على صفحة يشار كمال.

ترجمة بتصرف : توفيق رفيق التونجي

سيرةً الكاتب؛
يشار كمال (1923 – 2015) روائي من تركيا ومن الأصول الكورديةً حيث وُلد في قرية صغيرة بجنوب تركيا لعائلة كوردية. فقد إحدى عينيه في طفولته، وتأثر كثيرًا بالبيئة الريفية والفقر والظلم الإقطاعي، وهو ما شكّل خلفية معظم أعماله. بدأ كمال حياته كصحفي ثم تحول إلى الأدب، واشتهر عالميًا بروايته الأولى “محمد النحيل” (İnce Memed) التي نُشرت عام 1955 وحققت نجاحًا كبيرًا. كتب أكثر من 20 رواية تُرجمت إلى عشرات اللغات، وتم ترشيحه لجائزة نوبل للأدب عدة مرات. تميّز أسلوبه بالسرد الشعري الغني، والاهتمام العميق بقضايا الفلاحين، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة الظلم. يعتبر رمزًا للأدب التركي الحديث وصوتًا للطبقات المهمشة.
الجوائز؛
1.جائزة السلام من اتحاد الناشرين الألمان (1997): تُعد من أرفع الجوائز الأدبية الأوروبية، ومنحته إياها ألمانيا تقديرًا لدوره في الدفاع عن حقوق الإنسان والتعبير عن قضايا المهمّشين. 2.جائزة لانان للأدب الحر (Lannan Literary Award for Cultural Freedom) – الولايات المتحدة: مُنحت له لدعمه حرية الفكر ومناصرته لقضايا العدالة الاجتماعية. 3.وسام الفنون والآداب الفرنسي برتبة فارس (Chevalier) – فرنسا: تقديرًا لمكانته الأدبية عالميًا وتأثير أعماله في الأدب الفرنسي. 4.ترشيحه لجائزة نوبل للأدب عدة: لم يفز بها، لكنه كان دائمًا ضمن الأسماء البارزة التي تُطرح بقوة، بفضل تأثيره الكبير في الأدب التركي والعالمي. 5.جوائز أدبية تركية محلية عديدة: منها جوائز الصحافة، وجوائز من جامعات تركية ومؤسسات ثقافية تقديرًا لأعماله الأدبية الرائدة.

قد يعجبك ايضا