محمد علي محيي الدين
في مدينة داقوق، إحدى مدن محافظة التأميم، أبصر النور عام 1934 رجلٌ سيقضي عمره بين الكتب والفكر والبحث عن المعنى في عالم الإعلام والمعرفة. كان ذلك الرجل هو الدكتور إبراهيم محمد خضر الداقوقي، الذي شقّ طريقه منذ شبابه في دروب العلم، مدفوعًا بشغفٍ مبكرٍ إلى فهم المجتمع وأدوات التأثير فيه.
اختار دراسة القانون في كلية الحقوق العراقية، فكان القانون أول أبواب المعرفة التي دخلها، غير أن اهتمامه لم يقف عند حدود النصوص والتشريعات، بل امتد إلى المجال الأوسع الذي تتقاطع فيه الكلمة مع السلطة والرأي العام، أي عالم الإعلام. ولهذا شدّ الرحال إلى تركيا، حيث نال درجة الدكتوراه في قانون الإعلام من جامعة أنقرة، ليعود إلى العراق حاملًا رؤية علمية حديثة في هذا الحقل الذي كان لا يزال يتلمس طريقه في الجامعات العربية.
في جامعة بغداد تسلّم رئاسة قسم الإعلام في كلية الآداب، فكان من أوائل الأكاديميين الذين سعوا إلى ترسيخ الدراسات الإعلامية بوصفها علمًا قائمًا على النظرية والتحليل، لا مجرد ممارسة صحفية. ومن خلال تدريسه وبحوثه حاول أن يضع أسسًا فكرية لنظرية إعلامية حديثة، تنطلق من فهم المجتمع وتاريخه وثقافته، وتقرأ في الوقت نفسه تحولات العالم المعاصر.
لم يكن حضوره محصورًا في قاعات الدرس، فقد شارك في أكثر من خمسين مؤتمرًا إعلاميًا عربيًا ودوليًا، كان من بينها المؤتمر العالمي للدعاية الاقتصادية الذي انعقد في يوغسلافيا. وفي تلك اللقاءات العلمية كان يحمل همّ تطوير الخطاب الإعلامي في العالم العربي، ويعرض أفكاره حول النظم الإعلامية وتحوّلاتها في زمن العولمة والتكنولوجيا.
وقد ترك خلفه أكثر من عشرين كتابًا في ميادين مختلفة من المعرفة، كثير منها نقل إلى العربية من لغات أخرى، في جهدٍ واضح لفتح نوافذ الثقافة العربية على تجارب الشعوب وثقافاتها. ومن أشهر كتبه: قانون الإعلام والأنظمة الإعلامية ونظرية جديدة في الدراسات الإعلامية، وهي أعمال حاول فيها أن يربط بين القانون والإعلام والواقع الاجتماعي. ولم تقتصر اهتماماته على الإعلام وحده، بل امتدت إلى التاريخ والاجتماع والفولكلور، فكتب عن التركمان في العراق وتاريخهم وآدابهم، وعن السلاجقة وحضارتهم، كما تناول تأثير الفولكلور العربي في نظيره التركي، ودرس صورة العرب لدى الأتراك، وتناول قضايا مثل الصهيونية وفلسطين في الإعلام التركي.
كما اهتم بالثقافة الشعبية والإنسانية، فكتب عن العادات والتقاليد والألعاب الشعبية، وطرق أبوابًا متنوعة من البحث، من الموسيقى والمصطلحات الفنية إلى الدراسات التاريخية والاجتماعية. وقد دلّ هذا التنوع على عقلٍ موسوعيّ لم يقنع بالتخصص الضيق، بل كان يرى المعرفة شبكة مترابطة من التجارب الإنسانية.
وقد لقيت بعض أعماله صدى خارج العالم العربي، إذ أشاد بها الكاتب التركي المعروف إلهان سلجوق، الذي رأى في كتاباته محاولة جادة لفهم التداخل الثقافي بين الشعوب. وكان الداقوقي في حياته الفكرية يميل إلى الصراحة الفكرية، وقد لخّص مذهبه في الحياة بعبارة بسيطة لكنها عميقة الدلالة: الصدق مع النفس والصدق مع الآخرين.
واليك ثبت بمؤلفاته المطبوعة: قانون الإعلام، الأنظمة الإعلامية، أكراد تركيا، افعل شيئا يا مت، الاصطلاحات الموسيقية، الالعاب الشعبية الكويتية، التركمان في العراق: تاريخهم – آدابهم – فنونهم، السلاجقة: تأريخهم وحضارتهم، تأثير الفولكلور العربي في الفولكلور التركي، جذور الصهيونية، سترة من المخملين، صورة العرب لدى الأتراك، عشائر كردستان، فلسطين والصهيونية في وسائل الاعلام التركية، فنون الأدب الشعبي التركماني، في زنزانات إسرائيل، مطعم القردة الحية، موسوعة تشريعات الثورة 1958-1978، وحش طوروس، العلويون: أصحاب دين أم طريقة تصوف أو طريق ثالث لعصر العولمة؟
انتمى إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، فكان حاضرًا في الوسط الثقافي العراقي، مشاركًا في حواراته ومجالسه الفكرية، ومؤكدًا أن المثقف لا يكتفي بالبحث والكتابة، بل يسهم أيضًا في الحياة الثقافية العامة.
هكذا مضى إبراهيم الداقوقي في رحلته بين البحث والترجمة والتأليف، متقاطعًا مع موضوعات شتى من الإعلام والتاريخ إلى الفولكلور والثقافة المقارنة. وعندما غيّبه الموت عام 2008 كان قد ترك أثرًا علميًا وثقافيًا متشعبًا، يعكس حياة باحثٍ رأى في المعرفة رسالة، وفي الكلمة وسيلة لفهم العالم والإنسان.