التنوير الإنساني والتناص القرآني في قصيدة “عصفور الجنة” لعبد الرحمن حجاب: دراسة في رمزية الحرية ووحدة الوجود الإيماني

إعداد/ د. أميمة منير جادو-مصر

أولا : المقدمة:
يمثّل الشاعر عبد الرحمن حجاب”مرسى مطروح” نموذجًا فريدًا في الشعر العربي المعاصر، إذ تنفتح تجربته على فضاءات إنسانية رحبة تجمع بين الفكر الديني والبعد الإنساني الكوني. في قصيدته «عصفور من الجنة» من ديوانه الثالث (2008م)، يتجلّى الصوت الشعري متحررًا من القوالب الضيقة للهوية السياسية أو المذهبية، باحثًا عن سلام إنساني شامل، يجمع الشرق والغرب، ويؤمن بتعدد طرق الإيمان تحت مظلة التوحيد الإلهي.
ثانيا : محتوى النص المختصر (ملخص الدراسة):
تتناول هذه الدراسة قصيدة “عصفور الجنة” للشاعر عبد الرحمن حجاب من ديوانه الثالث (2008م) بوصفها نصًا يجمع بين الرؤية التنويرية والبعد الإيماني العالمي، حيث يصوغ الشاعر تجربته في صورة عصفورٍ كونيٍّ متنوّر يحلّق فوق الحدود المذهبية والسياسية والجغرافية ناشرًا رسالة السلام والمحبة.
القصيدة تمثل تجربة فكرية وشعرية تتجاوز الانتماءات الضيقة نحو الإنسان الكوني، إذ يُقدّم الشاعر ذاته في هيئة “عصفور متنوِّر” يحلّق في فضاء الحرية والسلام، داعيًا إلى وحدة الخلق وإخاء الإنسانية.ترتكز القصيدة على بنية فكرية تؤمن بحرية الإنسان، وتقدّس قيم التسامح والتعايش بين الشعوب والأديان، عبر خطاب شعري يجمع بين البساطة والمجاز والرمز.
وقد بنى الشاعر معجمه على تناصات قرآنية واضحة منها قوله: «ما نيش طائر أبابيلي ولا بارمي سجيليه» (إشارة إلى سورة الفيل: 3–4)، وقوله: «ولي ديني عبادة الله، أقولها بقلبي صمديّه» (سورة الإخلاص: 1–2)، ليؤكد أن جوهر الدين هو التوحيد لا التفرقة، وأن الإيمان الحق هو الإيمان بالإنسان قبل الشعارات.
كما تتداخل في القصيدة إشارات إلى الفلسفات والديانات الشرقية (بوذا، زرادشت، المسيح، موسى) في إطار من التعدد المتناغم، حيث يعبّر الشاعر عن وعي إنساني شامل يرى في وحدة الخالق أصلًا لتعدد الخلق، مستشهدًا برؤية قرآنية جامعة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13).
الرمز المركزي (العصفور) ينهض بوظيفة فكرية وجمالية؛ فهو كائن مسالم، محبّ، بنّاء، يحيا في فضاء واسع كرمز للحرية الروحية والفكرية.
أما الموسيقى الشعرية فتعتمد على التكرار الإيقاعي الذي يمنح النص طاقة وجدانية، ويعزز حضور الذات الشاعرة في تحليقها المستمر نحو النور.
وفي ختام القراءة، تكشف الدراسة عن أن “عصفور الجنة” ليست مجرد قصيدة وجدانية، بل بيان شعري للإنسانية المؤمنة، يعلن أن الدين هو الرحمة، وأن الشعر يمكن أن يكون جسرًا بين الأمم، وصوتًا نقيًا يوحّد الكلمة تحت اسم الله الواحد.
ثالثا : التحليل الفني والفكري:
ينطلق النص من رؤية تقوم على رفض الانقسام المذهبي والسياسي، يستهل الشاعر قوله:
«أنا العصفور ومتنوَّر، أحب أعيش بحريه
وعشِّي بالفضا مفتوح، بوسع مجرّه كونيه»
تشكّل هذه الافتتاحية رمزًا للذات الشاعرة المتحرّرة، حيث العصفور رمز الروح الطليقة، والفضاء رمز الاتساع الفكري. يتخذ الشاعر من الحرية معبرًا إلى الفكر، ومن الفكر جسرًا إلى الإيمان الواسع. ليعلن انتماءه إلى الإنسانية جمعاء، لا إلى جهة أو أيديولوجيا. يتجاوز الشاعر ثنائية الشرق والغرب، الشمال واليمين، ليبني ذاتًا حرّة، تقول في وضوح: “أنا العصفور ومتنوَّر، أحب أعيش بحرِّيَّة”.
الحرية هنا ليست مادية فقط، بل فكرية وروحية، فهي تحليق بالعقل والوجدان في فضاء القيم العليا. ويقول:
«لا أنا شرقي ولا غربي، ولا بأفكار جنونيه
لا فكر شمال ولا ليمين، ولا باعرف يساريه»
يؤكد هنا موقفًا وسطيًا عقلانيًا يتجاوز الانتماءات الفكرية، في دعوة إلى نبذ التطرف الأيديولوجي، وهذا يتناغم مع قول الله تعالى:
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143).
فالتناص القرآني هنا واضح في الموقف من الاعتدال والوسطية، وهي إحدى ركائز الرؤية الكونية التي يدعو إليها الشاعر.
رابعا : البعد الإنساني والتعدد الثقافي:
القصيدة تزخر بتعدادٍ لأوطان وأعراق وثقافات:
«أروح الهند، أزور السند، أعيش ف الصين وتركيا
حبيبتي إيران وروحي عمان، وأفكاري فرنسيه…»

هذا التنوّع الجغرافي لا يُراد به السياحة، بل رمز للانفتاح المعرفي، حيث يتجاوز الشاعر حدود المكان ليؤسس إنسانًا عالميًّا يؤمن بالمشترك القيمي بين الشعوب.
وفي قوله:
«قريت الحكمه من بوذا، وبعض الحكمه بوذيه
واشيل مع موسى ألواحه، ومؤمن باليهوديه
وآمن بالمسيح وأمّه، واصدّق بالمسيحيه…»
نجد تناصًا دينيًا مباشرًا مع الديانات السماوية الثلاث، يجمعها تحت راية التوحيد الإلهي، كما ورد في قوله تعالى:
{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ…} (البقرة: 136).
ويُختم التناص بإشارة صريحة إلى سورة الإخلاص:
«ولي ديني عبادة الله، أقولها بقلبي صمديَّه
سورة الإخلاص لجن وناس نقولها بنفس مرضيه»
فيتحول الإيمان هنا من مجرد اعتراف لفظي إلى عقيدة وجدانية موحّدة، تُعلن وحدة الخالق واختلاف المخلوقات في إطار السلام والمحبة.
خامسا : التناص القرآني والديني :
التناص الديني:
القصيدة تتكئ على عدة تناصات واضحة:
{وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13) في دعوته للوحدة الإنسانية.
{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون: 6) في إقراره بحرية العقيدة.
{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} (ص: 72) في رمزية الطائر والروح.
1. التناص مع القرآن الكريم :
القصيدة مشبعة بإشارات قرآنية توظَّف بذكاء لتأكيد المعنى الإنساني والروحي:
قوله:
“ما نيش طائر أبابيلي، ولا بارْمي سِجيليه”
تناص مباشر مع قوله تعالى:
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ (سورة الفيل: 3–4).
يوظف الشاعر هذا التناص للمفارقة بين الطائر المدمّر في الآية، والطائر المسالم الذي يمثّله هو نفسه، العصفور الداعي إلى الحب.
قوله:
“ولي ديني عبادة الله، أقولها بقلبي صمديّه”
يحيل إلى قوله تعالى:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (سورة الإخلاص: 1–2).
هنا يربط الشاعر بين وحدانية الله وصدق إيمانه الداخلي، مبيّنًا أن جوهر الدين هو التوحيد الخالص. في قوله:
“وأسقيها بأمطاري، مياه زمزم وحنِّيَّه”
هو تناص ضمني مع قوله تعالى:
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (سورة آل عمران: 97)،
حيث تمثل “زمزم” رمز الطهارة والنقاء، وهو يوظفها لإرواء الأرض بالمحبة.
كذلك قوله:
“تنبِّت وِدٍّ ومحبّة، رعاية إيد إلهيه”
يتناص مع قوله تعالى:
﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ (سورة مريم: 96).
فالود الإلهي يصبح بذرة الحب الإنساني الذي ينبت في أرض السلام.
2. التناص مع الأديان والفلسفات الأخرى :
القصيدة تتسع لذكر “بوذا” و”موسى” و”المسيح وأمه”، مشكّلة نسيجًا متنوعًا من الموروثات الدينية. قوله:
“قريت الحكمه من بوذا”
يشير إلى التأثر بالحكمة الشرقية القائمة على التأمل والسلام الداخلي. وعبارته:
“ومؤمن باليهودية… وآمن بالمسيح وأمه”
تستدعي قوله تعالى:
﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ﴾ (سورة الحديد: 27).
يعبّر الشاعر هنا عن إيمان شامل بالرسالات جميعها، معتبرًا أن التعدد طريق إلى الإيمان بوحدانية الخالق.
سادسا: الدلالات الرمزية:
عصفور الجنة : العصفور : رمز الحرية والسلام والصفاء الروحي. وفي القصيدة يجسد الذات الحرّة المتسامية، بينما الجنة تمثل صفاء الروح والمآل الطيب.
يجمع الشاعر بين الرمزين ليجعل من “عصفور الجنة” نموذجًا للإنسان المسالم الذي يزرع الخير حيثما حلّ.
الفضاء الكوني: دلالة على الفكر المفتوح ووعي العولمة الثقافية.
الرحلة عبر البلدان: إشارة إلى البحث عن الإنسان الكامل المتصالح مع ذاته ومع الكون.
صوره الشعرية تتراوح بين الرمز الكوني (“بوِسْع مجرّة كونية”) والرمز الإنساني (“قلبي سفارة دولية”)، ما يمنح القصيدة بعدًا جماليًا يتجاوز المحلي إلى العالمي.
سابعا: البنية الإيقاعية واللغوية “البنية الموسيقية”:
تسير القصيدة على إيقاع حر متدفق يقترب من الشعر الغنائي الشعبي في نبرته، مع تكرار الجمل المفتاحية التي تصنع وحدة نغمية مثل:
“أنا العصفور… أحب أعيش بحرية”
التكرار هنا يرسّخ الفكرة المركزية للقصيدة: التحليق الدائم في فضاء الحرية والسلام.
ويعتمد الشاعر على تكرار الجمل الإنشائية ذات الإيقاع الخفيف القريب من الغناء الشعبي، في قوله مثلًا:
«أبارك مصر واهرامها، وأغازل نيلها بعنيّه»
فيجمع بين فصاحة التعبير وبساطة الأداء، ما يجعل النص قريبًا من المتلقي دون أن يفقد عمقه الفلسفي.
ثامنا : البعد الإنساني والجمالي :
القصيدة تطرح رؤية شمولية للعالم، حيث تتعايش الأديان والحضارات في سلام. يقول الشاعر:
“سلامي يا ناس، حروف من ماس، أرقّصها في أغنية”
إنها دعوة إلى الفرح الإنساني المشترك، حيث الكلمة تغدو جسرًا بين الأمم.
والخلاصة : يمتاز النص بصفاء الرؤية، وصدق التجربة، وتنوع التناص القرآني والديني الذي يعزّز البعد الإيماني للقصيدة. ولغة الشاعر سهلة ممتنعة، تجمع بين العامية الفصحى والرمز الصوفي، في انسجام بين المضمون الإنساني والموسيقى الشعرية. ورغم ميله أحيانًا إلى المباشرة، فإن وضوح الخطاب يخدم رسالته في نشر التسامح والمحبة.
تاسعا: الخاتمة:
قصيدة «عصفور من الجنة» تمثّل نموذجًا شعريًا ينادي بإنسانية موحّدة تؤمن بالتنوّع الديني والثقافي، وتُحيل على مركزية التوحيد الإلهي كغاية للوجود. عبد الرحمن حجاب هنا لا يقدّم شعرًا عقائديًا تقليديًا، بل شعرًا كونيًا يؤمن بأن «السلام هو الديانة الكبرى».
«عصفور الجنة» قصيدة تؤسس لوعي إنساني جديد يربط بين الإيمان والحرية، بين الجمال والرحمة. وهي رحلة من الأرض إلى السماء، ومن الذات إلى الآخر، ومن الجزئي إلى الكوني، في ضوء قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (سورة الحجرات: 13).
وبذلك تتحقق غاية القصيدة في أن يكون الشعر جناحًا للسلام ومرآة لوحدة الإنسانية تحت لواء الإله الواحد.
عاشرا : ملاحظات على القصيدة :
القصيدة ليست منضبطة عروضياً على بحر خليلي واحد. الشاعر عبد الرحمن حجاب يستخدم ما يُعرف في النقد الحديث بـ الشعر الحر أو شعر التفعيلة المتعددة، مع نزعةٍ غنائية قريبة من الشعر العامي الفصيح. التحليل الفني الإيقاعي كالآتي:
1. الوزن العروضي:
القصيدة مبنية على إيقاع حر متحوّل، يتنقل بين مجزوء الرمل والرجز والكامل في بعض المقاطع.
مثال:«أنا العصفور ومتنوّر، أحب أعيش بحريه»
يقع على تفعيلات الرجز (مستفعلن مستفعلن فعلن) تقريباً.
لكن الشطر التالي:
«وعشّي بالفضا مفتوح، بوسع مجره كونيه»
يتحوّل إلى مستفعلن فاعلن فعْلن فعولن تقريبًا، أي خروج جزئي عن الانتظام.
إذن القصيدة لا تلتزم البحر التام، بل تُحافظ على إيقاع صوتي داخلي يعتمد على التكرار والجرس أكثر من الوزن الخليلي.
2. الموسيقى الداخلية:
القوة الإيقاعية تأتي من:
التكرار البنائي: “أنا العصفور”، “أروح”، “أحب”، “أعيش”… إلخ.
الازدواج الصوتي: “سلامي يا ناس، حروف من ماس”.
التجانس الحرفي: توظيف الميم والسين والراء بكثافة تولّد موسيقى رخوة ذات وقعٍ هادئ.
الإيقاع التنفّسي: الأسطر قصيرة تتوالى بسرعة مما يخلق طابعًا غنائيًا يناسب فكرة الطائر والانطلاق.
3. الزحافات والعلل:
لا يمكن تقويم القصيدة بعَروضٍ خليلـي دقيق، لكنها تُظهر إيقاعًا موزونًا جزئيًا قائمًا على السماع، وهو ما يُقبل في الشعر الحر إذا بقي الإيقاع مستساغًا للأذن.
الانزياحات كثيرة، خصوصًا في المقاطع التي تزداد فيها الأسماء والأماكن.
4. المآخذ الإيقاعية:
عدم انتظام الوزن في بعض الأسطر يجعل القراءة المنغّمة مضطربة في الوسط.
وجود تراكمات اسمية طويلة (“أروح الهند، أزور السند…”) تُرهق الإيقاع وتكسر تدفقه.
بعض الألفاظ النثرية مثل “دراساتي أوروبية” تُضعف الموسيقى الشعرية.
الاعتماد الكبير على التفعيلة السمعية يجعل النص أقرب إلى الأغنية الفكرية منه إلى القصيدة الموزونة الكلاسيكية.
5. الإيقاع الدلالي:
الموسيقى هنا وظيفية وليست تجميلية. أي أنها تخدم المعنى الحر والانطلاق، فيتماهى الإيقاع مع الصورة الرمزية للعصفور الطليق. والتحرر من الوزن الصارم يعكس تحرر الفكر والموقف الإنساني الذي ينادي به الشاعر.
خلاصة التقييم العروضي:
الوزن الخليلي :غير منتظم , شعر تفعيلة حر.
الإيقاع الداخلي : قوي ومتنوع , يعتمد التكرار والتوازي الصوتي .
الزحافات : كثيرة لكنها سمعية مقبولة .
التناسق الموسيقي : متوسط يتأثر بتكدس الجمل الاسمية .
الانسجام العام : جيد جدًا يخدم الفكرة الكونية والانطلاق .
عاشرا : التحليل النقدي العروضي والموسيقي بصياغة أكاديمية :
تتأسس قصيدة «عصفور الجنة» للشاعر عبد الرحمن حجاب على إيقاعٍ حرّ يستند إلى مرتكزات الشعر الحديث الذي يتجاوز القيود العروضية الصارمة لصالح موسيقى داخلية نابعة من تكرار المفردة والإيقاع النفسي والدلالي للجملة. الشاعر يعلن منذ المطلع انحيازه للحرية: «أنا العصفور ومتنوّر، أحب أعيش بحريه»، وهو انفتاح لغوي ينعكس على البناء العروضي نفسه، إذ لا ينتظم البيت في بحرٍ خليلي واحد، بل يقترب أحيانًا من مجزوء الرجز أو الخفيف، ثم ينفلت ليؤسس إيقاعًا خاصًا يقوم على السماع والتكرار.
الإيقاع في هذه القصيدة سمعي بالدرجة الأولى، لا يُقاس بتفعيلة منتظمة بل بإيقاعٍ داخلي ينشأ من التوازي الصوتي والاشتقاق المتكرر للأفعال: «أروح – أزور – أعيش – أحب»، مما يمنح النص طابعًا غنائيًا متدفقًا يوازي حركة العصفور التي تشكّل رمزه المركزي. هذا التنويع الموسيقي المتعدد يجعل القصيدة أقرب إلى ما يُعرف بـ”الأغنية الفكرية” أو القصيدة الغنائية الحرة، حيث تتداخل الأصوات والصور في تناغم شعوري لا يخضع لصرامة الوزن.
رغم هذا، يمكن رصد بعض الهنّات الإيقاعية الناتجة عن تراكم الأسماء الجغرافية في المقاطع الوسطى مثل قوله: «أروح الهند، أزور السند، أعيش ف الصين وتركيه»، إذ تضعف هذه التتابعات منسوب التوقيع الموسيقي، وتحوّل النص لحظةً إلى نثر إخباري قبل أن يستعيد عذوبته في المقاطع التأملية الختامية. ومع ذلك، فإن البناء الصوتي العام يظل محافظًا على وحدة موسيقية داخلية ناعمة تؤكد انسجام المعنى مع الشكل.
تعتمد الموسيقى الداخلية في النص على وسائل متعددة، أبرزها الجناس الصوتي في قوله: «سلامي يا ناس، حروف من ماس»، والترصيع اللفظي في قوله: «أقول للدنيا أسراري، وكل الخلق ف عنـــيَّه , أطير الصبح مشواري, أدوِّب حُب في المَـيَّه ”
المراجع:
– (القرآن الكريم,) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13).
– القرآن الكريم {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143).
– القرآن الكريم {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ…} (البقرة: 136).
– القرآن الكريم {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13)
– القرآن الكريم {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون: 6)
– القرآن الكريم {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} (سورة ص: 72)
– القرآن الكريم ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ (سورة الفيل: 3–4).
— القرآن الكريم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (سورة الإخلاص: 1–2).
— القرآن الكريم ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (سورة آل عمران: 97)،
— القرآن الكريم ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ (سورة مريم: 96).
-القرآن الكريم ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ﴾ (سورة الحديد: 27).
-القرآن الكريم، سورة الفيل ٣-٤: «﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِّن سِّجِّيلٍ﴾».
-القرآن الكريم، سورة الإخلاص ١-٢: «﴿قُلْ هُوَ ٱللّٰهُ أَحَدٌ * ٱللّٰهُ ٱلصَّمَدُ﴾».
-القرآن الكريم، سورة آل عمران ٩٧: «﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾».
– القرآن الكريم، سورة مريم ٩٦: «﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّا﴾».
-Dadoo, Y. “Syncretism, Universalism and Religious Pluralism in the Poetry of Jalāl al-Dīn Rūmī.” University of South Africa, 2004.
-Hassan Bashir Hassan Hamid. “Separation between religion and poetry in Arabic poetry criticism in the ancient and modern era.” University of Bahri, December 2014.
“Dynamics of Voiced Poetry.” Oral Tradition Journal.
‘-Abd al-Qāhir al-Jurjānī. Dalā’il al-Iʿjāz fī al-Qurʾān. Cairo: Dār al-Khānğī, 1902(طبعة رشيدة).
– عبد الرحمن حجاب: أنا العصفور، الديوان الثالث، القاهرة، 2008م.
-عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، دار المدني، جدة، 1992م.
-عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1985م.
-محمد عبد المطلب، جماليات التناص في الشعر العربي الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م.
-صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، دار الشروق، القاهرة، 1992م.

الملحق :
قصيدة الدراسة
عصفور الجنه /الشاعر عبد الرحمن حجاب
من الديوان الثالث ” أنا العصفور ” إصدار ٢٠٠٨م

أنا العصفـــــور ومتنوَّر, أحب أعيش بحُــــريَّـه
وعشِّي بالفضـــا مفتوح , بوِسْع مجرَّه كـــونيه
أنا ابن حجـــــاب ومتنوَّر , أحب أعيش بحُــرِّيه
وشِعْري بالفضـــــا منشور, في كل مجرَّه كونيه
لا انا شرقي ولا غربي, ولا بأفكــــــــار جنونيه
لا فكر شمــــال ولا ليمين , ولا باعرف يساريه
طليق الفــــكر , ابن العصر وكل الكون سكن لِيَّه
جناحي ســـلام , عِنيَّه وئام وقلبي سفاره دوليه
أحب النـــاس واعيش ليها وتوأم روحي روسيه
أروح الهند , أزور السند أعيش ف الصين وتركيه
حبيبتي إيران وروحي عمـــــان وأفكاري فرنسيه
أعِشْ ف تونس الخَضْـــره ,وأعمـــــامي جزايريه
أزور كندا بدون باسبـــــور, دراســـــاتي أوروبيه
دوايا الزين ف أمريكا , بخــــوري عيدان وهنديه
أروح لبنان أطــير ليابان ماليش ف ديانه طاويه
أبارك مصر واهرامها, واغـــازل نيلها بعنيَّــه
وأهل النيل حرافيشي ,وفي البوسنه جذور ليَّه
واطهَّر بالفرات ريشي , ومن دِجْله دَوا لِيَّـــه
ونِنْ عِنيَّه أفريقي , وسِنِّي كـــــويتي لوليَّــــه
أنا طائر سُليمـــــــاني , وأنبـــــــــائي سبائيه
ما نيش طائر أبابيلي , ولا بارْمي سِجيــــليه
ولا عندي شيا طيــــــني , ولا ميولي عدائيه
أنا عصفور من الجَنَّه , وعِشِّي للسلام غِيَّـــه
وعملي ف الحياه بنَّــا ,وأبني الفـــرْح بِنِّيَّــــه
واهنِّي كل من حَنَّـى , ضلامُه بفكـره علمــيه
واشارك كل من غّنَّى , قصيدة حُـب سلمـــيه
وازوَّق دنيتي بِحِـنَّه , في رسمة لوحه فنـــيه
أقول للدنيا أسـراري, وكل الخلق ف عنـــيَّه
أطير الصبح مشواري, أدوِّب حُب في المَـيَّه
وتروي الصحرا أنهاري , بطعم الشهد محليَّه
وأزرعها بأشجاري, جنــــــــــــان الخُلد أبديه
واضَوِّي الشمس بانواري , تشع الحكمه نوريه
وارش الكون بأفكاري , بذور لمحبَّــــــه ورْدٍيَّه
وأسقيها بأمطـــــــاري , مياه زمـزم وحنِّيـــَّـــه
تنبِّت وِدْ ومحبَّــــــــه ., رعاية إيد إلهــــــــــه
قريت الحكمه من بوذا , وبعــض الحكمه بوذيه
واشيل مع موسى ألواحه , ومُؤمن باليهـــوديه
وآمن بالمسيـــــح وامُّــه , واصدَّق بالمسيحيه
لهم دينهم , عقيــــــدتهم , زرادتشي بهـائيه
ولي ديني عبادة اللـه , أقولها بقلبي ” صَمَدِيَّه ”
سورة الاخلاص لجن وناس نقولها بنفس مرضيه
سلامي يا ناس , حروف من ماس, أرَقَّصْها في أغنيه
تغنيها أُمَـــم وشعـــــــــوب بكل لغات سماويه
إله واحـــــد لكل الكون تفــــــــــرَّد بالربوبيه
وإسمه سلام , رحيم رحمن ..تعالى بالألوهيه
——
تم بحمد ال

قد يعجبك ايضا