لماذا الشخصنة في منهج ترامب لإدارة النزاعــات الإقليميــــــــة ؟

شريف علي

يتّسم منهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارة النزاعات الإقليمية بنزعة واضحة نحو الشخصنة، حيث تُختزل الصراعات المعقدة في مواجهات مباشرة مع قادة أو رموز محددة، بدلاً من النظر إليها بوصفها نتاجاً لبُنى سياسية واجتماعية واقتصادية متشابكة. ويقوم هذا النهج على افتراض أن التنظيمات غير الديمقراطية تعتمد في جوهرها على أفراد نافذين، وأن التأثير على هؤلاء الأفراد—سواء بالضغط أو العزل أو الاستهداف—يمكن أن يغيّر سلوك الكيان بأكمله. وقد سمح هذا التصور بتبسيط البيئة الدولية وتحويلها إلى شبكة من العلاقات الثنائية التي يمكن إدارتها عبر الضغط أو التهديد أو عقد الصفقات، بما ينسجم مع أسلوب ترامب الذي يفضّل الحلول السريعة والنتائج المباشرة على المسارات الدبلوماسية الطويلة.
وتستند الشخصنة في سياسة ترامب إلى دوافع سياسية داخلية، إذ يسهل تقديم النزاعات للرأي العام الأميركي في صورة قصص شخصية واضحة، كما يمنح الإدارة القدرة على إعلان “انتصارات” سريعة عبر استهداف زعيم أو فرض عقوبات على شخصية بارزة. وتخدم هذه المقاربة القاعدة الانتخابية لترامب التي تميل إلى الخطاب المباشر والمواجهات الشخصية، وتفضّل رؤية السياسة الخارجية بوصفها صراعاً بين “زعيم قوي” و“خصم يجب ردعه”. كما يلعب الإعلام الأميركي دوراً محورياً في تضخيم هذه المواجهات، إذ يقدّمها في صورة درامية تُسهّل تسويقها للجمهور، وتحوّل السياسة الخارجية إلى سلسلة من اللحظات الرمزية التي يمكن استثمارها انتخابياً .
وتتأكد نزعة الشخصنة من خلال تتبّع الحالات المختلفة التي تعاملت معها إدارة ترامب، إذ يظهر بوضوح أن كل حالة – على اختلاف طبيعتها – كانت تُعاد صياغتها في صورة مواجهة مع فرد واحد يُقدَّم بوصفه جوهر المشكلة ومفتاح الحل. ففي حالة تنظيم داعش، ورغم الطبيعة اللامركزية للتنظيم، جرى التركيز على زعيمه أبو بكر البغدادي، وكأن التنظيم قائم على شخص واحد، ما سمح بتقديم عملية قتله كإنجاز حاسم، رغم أن التنظيم استمر في العمل بعد ذلك. وفي حالة إيران، تم اختزال دولة ذات مؤسسات معقدة في شخص المرشد الأعلى، ما جعل الصراع يبدو وكأنه مواجهة بين ترامب وقيادة فردية، رغم أن صنع القرار الإيراني موزّع بين مؤسسات متعددة. أما في سوريا، فقد اختُزلت الأزمة في شخص الرئيس بشار الأسد، رغم أن جذور الصراع تتجاوز القيادة إلى عوامل اجتماعية وطائفية واقتصادية. وفي فنزويلا، تحوّلت الأزمة إلى مواجهة مباشرة بين ترامب ونيكولاس مادورو، رغم أن الأزمة الفنزويلية ذات طابع بنيوي عميق. وفي حالات التنظيمات العقائدية مثل حزب الله وحماس، تم التعامل مع القيادات بوصفها مركز الثقل، رغم أن هذه التنظيمات تمتلك شبكات اجتماعية وعسكرية واسعة تتجاوز الأفراد.
وتبرز الفروق بين هذه الحالات في طبيعة الكيانات المستهدفة؛ فالتنظيمات العقائدية تختلف عن الدول ذات المؤسسات، والدول تختلف عن الحركات المسلحة، والقادة المنتخبون يختلفون عن القادة العقائديين. ومع ذلك، فإن منهج ترامب يتعامل مع هذه الفروق كما لو أنها غير موجودة، ويطبق منطقاً واحداً يقوم على استهداف الفرد الأكثر بروزاً. وهذا ما يفسر نجاح النهج في بعض الحالات وفشله في أخرى؛ فهو ينجح حين يكون القائد فعلاً مركزياً في اتخاذ القرار، أو حين يكون الهدف رمزياً أكثر منه بنيوياً، لكنه يفشل حين تكون البُنى المؤسسية أو العقائدية قادرة على إعادة إنتاج القيادة أو امتصاص الصدمات. فقتل البغدادي لم يؤدِّ إلى نهاية داعش، واستهداف سليماني لم يغيّر جوهرياً من سلوك إيران الإقليمي، بينما لم يؤدِّ الضغط على مادورو إلى تغيير النظام السياسي في فنزويلا.
وعند مقارنة هذا النهج بمنهج الإدارات الأميركية السابقة، يتضح أن الشخصنة ليست جديدة تماماً في السياسة الأميركية، لكنها لم تكن الإطار المهيمن على إدارة النزاعات. فقد اعتمدت إدارة باراك أوباما على مقاربة مؤسسية تركز على الدبلوماسية متعددة الأطراف، وبناء التحالفات، وتفعيل المؤسسات الدولية، مع تجنّب تحويل الصراعات إلى مواجهات شخصية مباشرة. أما إدارة جورج بوش الابن، ورغم استخدامها القوة العسكرية، فقد ركزت على إعادة تشكيل البُنى السياسية في الدول المستهدفة، وليس فقط على استهداف القادة. بينما اتسمت إدارة بيل كلينتون بالاعتماد على الدبلوماسية الوقائية والتدخلات المحدودة التي تراعي التوازنات الإقليمية. وبالمقارنة، فإن منهج ترامب يميل إلى تجاوز المؤسسات الدولية وتقليص دور التحالفات، وتحويل الصراعات إلى مواجهات شخصية، مع إعلاء منطق الصفقة على منطق العملية الدبلوماسية المتدرجة. ويُعد هذا التحول اختلافاً جوهرياً عن المقاربات التقليدية التي كانت ترى في المؤسسات والعمليات السياسية أدوات أساسية لإدارة النزاعات، بينما يرى ترامب أن التأثير على القادة هو الطريق الأقصر لتحقيق النتائج.
وتشير الدراسات الأكاديمية إلى محدودية فعالية استهداف القادة في إنهاء النزاعات، إذ تُظهر أبحاث في العلاقات الدولية أن التنظيمات العقائدية أو الشبكية قادرة على إعادة إنتاج القيادة بسرعة، وأن الدول ذات المؤسسات المتعددة لا تتغير سياساتها بمجرد تغيير رأس السلطة. كما تقدّم أمثلة تاريخية عديدة دليلاً على فشل الشخصنة في إنهاء الصراعات، مثل استمرار تنظيم القاعدة بعد مقتل أسامة بن لادن، واستمرار حركة طالبان بعد استهداف قادتها، واستمرار النظام العراقي بعد استهداف قياداته قبل الغزو الأميركي عام 2003 ، وتؤكد هذه الأمثلة أن الشخصنة قد تمنح مكاسب رمزية، لكنها نادراً ما تغيّر البُنى العميقة للصراعات.
وتتضح خطورة هذا النهج عند النظر إلى النظام الدولي متعدد الأقطاب، إذ يمكن أن يؤدي تحويل النزاعات إلى مواجهات شخصية ،إلى زيادة احتمالات التصعيد، خصوصاً في عالم تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى. كما قد يؤدي هذا الأسلوب إلى إضعاف المؤسسات الدولية التي تعتمد على الدبلوماسية المتعددة الأطراف، ويعزز منطق القوة على حساب القانون الدولي، وهناك احتمال أن ينتقل هذا النهج إلى إدارات مستقبلية أو قادة آخرين، خصوصاً في ظل صعود الشعبوية عالمياً، ما قد يجعل الشخصنة سمة متكررة في إدارة النزاعات، ويزيد من هشاشة النظام الدولي.
وفي المحصلة، فإن منهج ترامب في إدارة النزاعات الإقليمية يكشف عن رؤية تختزل التعقيد في شخصيات، وتحوّل السياسة الدولية إلى سلسلة من المواجهات الفردية، في عالم تتزايد فيه تشابكات القوة وتتعمق فيه الأزمات البنيوية. وإذا استمر هذا الأسلوب في الانتشار، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، فمن المرجح أن تتجه البيئة الدولية نحو مزيد من التوترات الحادة والاستقطاب، مع تراجع قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الأزمات أو معالجتها بصورة مستدامة، ما يجعل مستقبل النظام الدولي أكثر هشاشة وأقل قابلية للتنبؤ.

قد يعجبك ايضا