حماية الأبناء من القلق

عزيز ملا هذال

إن أعظم استثمار نقدمه لأبنائنا ليس في أرصدةالبنوك ولا في تأمين الرفاهية المادية، بل في توريثهمنفسيةً مطمئنة وسكينة داخلية لا تهزها رياحالأزمات. مسؤوليتنا هي أن نكون مصدات رياحتحمي غراسهم الطرية من عواصف القلق التيتكتسح حياتنا المعاصرة

وسط زحام الحياة وتزايد تعقيدها يحكم القلققبضته على الكثير من البشر، فمنا من يريد مواكبةهذا الصراع مع عصر التكنولوجيا، ومنا من يريدالحصول على أكثر مكاسب حياتية لضمان العيشالمرفه أو العيش المقبول على أقل تقدير، وهذا القلقالذي يعيشه الوالدان أو أرباب الأسر من شأنه أنينتقل إلى باقي أعضاء الأسرة، وبذا يتعرض الطفلإلى خطر نفسي حقيقي؟ كيف يمكن منع ذلك؟

في عالم يتسم بالتحديات المتزايدة والمخاوف التيترافق الحياة اليومية، قد يكون من الصعب علىالأهل تفادي نقل قلقهم النفسي إلى أطفالهم. فالتربية الجيدة تتطلب أن يكون الأهل قدوة فيالتحلي بالهدوء والطمأنينة، لكن القلق النفسيوالضغوط الحياتية قد تترك أثراً عميقاً في الطريقةالتي يتعامل بها الأهل مع أطفالهم.

القلق يعد رد فعل طبيعي تجاه الظروف المرهقة، لكنهيصبح مشكلة عندما يتحول إلى جزء دائم منحياتنا، فالآباء الذين يواجهون مشكلة القلق قديشعرون بأنهم يحتاجون لحماية أطفالهم بشكلمبالغ فيه، مما يسبب في تعليمهم الخوف وعدمالثقة، على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الحمايةالزائدة إلى حرمان الأطفال من تعلم المهاراتالضرورية لمواجهة تحديات الحياة.

مثال واقعي: أحد الآباء الموظفين براتب معين يمنحهأريحية العيش بالمقارنة مع أقرانه الموظفين فيوظائف أخرى، لكنه في كل مرة يقرأ خبراً في مواقعالتواصل الاجتماعي حول تخفيض الرواتب حتىيبث الخبر وسط عائلته محاولاً استحصال دعمهم لهأو محاولة تحذيرهم عن الخطر القادم، وهذا بحدذاته هو نقل للقلق من مستويات أعلى إلى مستوياتأدنى، بمعنى النقل من الآباء وإلى الأبناء، وبذايصبح الطفل قلقاً بلا فائدة بل يبدأ بالشعور بالضيقالنفسي فقط مع عدم إمكانيته الابتعاد عن الجوالعائلي السائد.

مما يجب الالتفات إليه من قبل الأهل هو أن الأطفاليمتلكون قدرة مذهلة على فهم مشاعر والديهم،فعندما يظهر على الآباء تعب من القلق، كالشعوربالقلق الدائم أو الاهتمام الزائد أو الانزعاج فيالمواقف الصعبة، يستطيع الأطفال أن يشعروا بهذهالأحاسيس ويأخذوها معهم، وهذا بالطبع قد يزيدمن مخاوف تأثر الأطفال بمشاعر وأحاديث وهواجسآبائهم.

كيف نبعد قلقنا عن أبنائنا؟

لكي نبعد أطفالنا عن قلقنا يجب علينا القيامبالتالي: كما يجب علينا تعليم أطفالنا كيفية إدارةالقلق، حيث إن أفضل طريقة لتجنب نقل مخاوفنالأطفالنا هي تعليمهم كيفية التعامل مع مشاعرهمالخاصة، بما في ذلك القلق، فيمكن أن يتعلمالأطفال كيفية استخدام تقنيات التعامل السليم معالقلق ومنها ما يتعلق بالجانب العقائدي والإيمانبالله وغير ذلك من أمور تساعدهم في التعامل معالمواقف الصعبة بشكل صحي وفعال.

وما يجب فعله من الوالدين هو التخفيف من قلقالطفل وليس تضخيمه، فعندما يعبر الطفل عنمخاوفه أو توتره، قد يكون من السهل على الوالدينأن يشعروا بنفس القلق أو أن يبالغوا في ردودأفعالهم، ومع ذلك فإن الأسلوب الصحيح للتعامل معمثل هذه الحالات هو الاستماع بهدوء وتفهم ثم تقديمالدعم. ومن الطرق الفعالة لتعزيز إحساس الطفلبالأمان وإبعاده عن القلق هي التركيز على الجوانبالإيجابية والقدرة على التكيف، فعند مواجهة الطفلللمشاكل أو الصعوبات، يجب على الأهل أنيوضحوا له كيف يمكن لتلك التجارب أن تعلمهمهارات جديدة أو تساهم في تطوير شخصيته،فتوعية الأطفال بأن الفشل لا يعني انتهاء الأمر، بلهو فرصة للتطور، يزيد من قدرتهم على تجاوز القلق.

في الختام نقول: إن أعظم استثمار نقدمه لأبنائناليس في أرصدة البنوك ولا في تأمين الرفاهية الماديةفحسب، بل في توريثهم نفسيةً مطمئنة وسكينةداخلية لا تهزها رياح الأزمات، كما إن مسؤوليتناكآباء لا تقتصر على إطعامهم وكسوتهم، بل في أننكون مصدات رياح تحمي غراسهم الطرية منعواصف القلق التي نعاني منها نحن

قد يعجبك ايضا