زهور حسين… زهرة الغناء التي تفتحت على وجع العراق

محمد علي محيي الدين

الحديث عن زهور حسين ليس مجرد استذكار لصوت جميل رحل، بل هو استعادة لزمنٍ كانت فيه الأغنية العراقية تتنفس من أعماق الوجدان الشعبي، وتنمو كالنخلة في أرض الطين والماء والحنين. كانت زهور، أو زهرة عبد الحسين، واحدة من تلك الأرواح التي خُلقت لتغني لا لتعيش طويلاً، لتترك فينا نغمةً لا تشيخ، ووجعًا لا يزول.
ولدت زهور عام 1924 في الكاظمية، تلك المدينة التي يختلط فيها عبق التربة برائحة التاريخ، وكان البيت المتواضع الذي نشأت فيه يفيض موسيقى قبل أن تتعلمها، إذ كان والدها مولعًا بالأغاني والمقامات، يقتني أسطوانات الكراموفون بصوت نجم الشيخلي ورشيد القندرجي وفريد الأطرش وأم كلثوم. ومن بين تلك الأصوات الكبرى، كان يميز صوت ابنته الصغيرة، يرى فيه نبرة مختلفة، فيها بحّة تشبه الشجن العراقي، وعذوبة تحاكي النسيم حين يمرّ على النخيل.

لم تدرس زهور الموسيقى، فالعراق آنذاك لم يعرف مدارس لتعليم الغناء، لكنّها درست الحياة بصدقها وملحها ودموعها، وغنّت بلسان الناس لا بلغة القاعات والأوركسترات. ومنذ أن دخلت إذاعة بغداد عام 1947، صار صوتها مألوفًا في كل بيت، ينساب من الراديو مع نكهة الشاي الصباحي، يوقظ في الناس ما هو أجمل فيهم.
كانت زهور تغني بصدق لا يعرف الزيف. لا تتصنع، ولا تكرر أحدًا. في صوتها دفء الأمّ، وعتاب الحبيبة، وأنين المقهور. لذلك أحبها الناس بقلوبهم قبل آذانهم، ورأوا فيها رمزًا للبساطة التي تتحدى القسوة.
غنت للحب كما لو أنها تكتبه، وقالت عن العشق ما لم يقله الشعراء في دواوينهم. أحبّت رجلًا اسمه صباح، وتزوجته سرًا كي لا تُحرج عائلته في مجتمع يرى زواج الفنانة “خطيئة اجتماعية”. لكنه كان حبًا صادقًا، ظهر صداه في أغنياتها التي تشعّ دفئًا وولهًا: «حلو حلو هواية حلو»، و«نتلاكة وبعد لا تكول»، و«إذا أنت لم تعشق ولم تدرِ ما الهوى»… كانت هذه الأغاني مرايا لقلبٍ لا يخاف الحب وإن عاش في الظل.
اشتهرت زهور في الخمسينيات، وازدحمت قاعات إذاعة بغداد بطلبات الجمهور لسماعها، وكانت تغني في ملهى “أبي نؤاس” في ساحة التحرير، فيزاحم الناس المكان فقط ليروا تلك المرأة الصغيرة التي تصنع من الحزن لحنًا ومن الألم طربًا.
غنت من ألحان عباس جميل ومحمد نوشي وخضير إلياس، ومن كلمات سيف الدين الولائي وعبد الكريم العلاف وجبوري النجار. كما سجلت لشركات إنجليزية وألمانية، لتصل نبرتها الدافئة إلى أبعد من حدود الوطن.
كانت حياتها سلسلة من التناقضات الجميلة: تغني في الليل عن الفرح، وتبكي في الصباح على قسوة الأيام. تمتلك خيولًا وتحب ركوبها، كأنها تبحث عن حرية لم تجدها في عالم الناس. تسكن الكاظمية ثم القاهرة، ثم شارع 52 في بغداد، ولا تستقر إلا في الغناء.
ومن أغانيها التي بقيت في الذاكرة: «يا دمعة سيلي»، «غريبة من بعد عينچ يا يمّه»، «تضحكون أضحك الكم»، «آه من هذا الوقت»، « يام عيون حراقة»، «خالة شكو»، و«يا بنية عليج الله»، إلى جانب أغانٍ من الفولكلور وأبوذيات غزلية خالدة كـ «لو صار دولاب الهوى» و«يا عزيز الروح».
ورغم شهرتها، بقيت زهور قريبة من الناس، تغني في أفراحهم وأوجاعهم، وتعيش مثلهم تمامًا: بقلق، وبكرامة، وبحلم لا يكتمل.
لكن القدر كان قاسيًا معها كما كان كريمًا في موهبتها. ففي يوم ممطر من كانون الأول 1964، كانت في طريقها إلى الديوانية لزيارة زوج أختها المسجون، حين انزلقت سيارتها الصغيرة على الطريق بين بغداد والحلة بعد أن اعترضها قطيع ماشية، فارتطمت بالأرض وانكسرت الزهرة على الأسفلت. توفيت أختها في الحال، وبقيت زهور في غيبوبة عشرة أيام قبل أن ترحل عن دنياها وهي في ربيعها الأربعين.
رحلت زهور حسين، لكن صوتها بقي كوشمٍ في ذاكرة العراقيين، دافئًا كأغاني الشتاء، عذبًا كالمطر الأول. لقد كانت واحدة من آخر الأصوات التي جمعت بين الفطرة والصدق، بين الحزن النبيل والفرح البسيط.
سلامٌ على تلك الزهرة التي غنّت لنا من قلبها، ثم نامت على قارعة الطريق…

قد يعجبك ايضا