خالد بهلوي
سيدة تقول : ياحسرة على عيد الأضحى في السابق كنا نفرحوا ونرحموا بعضنا الان الغلاء غيب ضحكتنا وفرحتنا .
عيد الأضحى المبارك… عيد التهاني والتكافل وذبح الأضاحي تقربًا إلى الله، وعيدٌ يحمل في جوهره معاني التضحية والرحمة والإحسان. لكن يبقى السؤال الذي يتردد في قلوب كثير من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود: هل يطبق الأغنياء والتجار حقيقة معاني التضحية؟ وهل يفكر بعض أصحاب المحال والأسواق في التخفيف عن الناس خلال أيام العيد، ولو بالتنازل عن جزء بسيط من أرباحهم، ليزرعوا الفرح في قلوب الأطفال والأسر المحتاجة؟
في كل عيد، تعيش شريحة واسعة من الفقراء ومتوسطي الدخل أيامًا ثقيلة يملؤها القلق والخوف من عجزهم عن تأمين أبسط مستلزمات العيد. فكم من أب يدخل أسواق الملابس والحلويات وقلبه مثقل بالحيرة والعجز؟ وكم من أم تخفي دموعها كي لا يشعر أطفالها بحرمانهم؟ وكم من أسرة تحاول أن تبدو سعيدة بينما ترزح تحت وطأة الديون وضيق الحال؟
بل إن بعض العائلات تدخل في خلافات ومشكلات بسبب عدم القدرة على تدبير نفقات العيد، في وقتٍ تحوّلت فيه فرحة المناسبة عند الكثيرين إلى عبء نفسي ومادي ثقيل. لذلك، ما أجمل أن يخرج فقير من بيت أحد الميسورين محمّلًا بما يعينه على العيد، لا بالطعام والكساء فقط، بل بالكرامة والاهتمام والشعور بأنه شريك في فرحة المجتمع، لا مجرد متفرج عليها.
إن الكلمة الطيبة، والمساعدة الصادقة، ولمسة الرحمة، قادرة على أن تخفف كثيرًا من وجع المحتاجين، وأن تعيد للعيد روحه النبيلة التي قامت على المحبة والتراحم والتكافل. فهناك أسر لم يعد العيد يترك في قلوبها سوى مزيد من التعب والقلق، بل إن بعضها يضطر لبيع ما يصله من لحوم الأضاحي، رغم قلته، من أجل تأمين دواء أو سداد دين أو شراء حاجات أساسية للعيش.
لقد فقد العيد عند كثيرين شيئًا من بهجته القديمة؛ غابت الجلسات العائلية الهادئة، وضعفت قيم صلة الرحم والتسامح وزيارة الأقارب، وحلّ مكانها سباق نحو المظاهر والتفاخر ونشر صور “إنجازات العيد” على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي المدن والقرى السورية، تختلف ملامح العيد من بيت إلى آخر؛ فهناك من يستقبله بالحمد لأن الأسرة ما زالت مجتمعة رغم كل الظروف، وهناك من يستقبله بالحزن لفقدان أب أو أم أو ابن غيبته الحرب أو الغربة أو الهجرة.
لقد آن الأوان أن ندرك أن عيد الأضحى ليس مناسبة للمباهاة، بل امتحان للقلوب والضمائر والأخلاق. فليس من العدل أن تمتلئ موائد البعض بما لذ وطاب، بينما تقف أسر كاملة عاجزة حتى عن شراء كيلوغرام واحد من اللحم، خاصة من الموظفين والمتقاعدين الذين أثقلتهم الأزمات وتأخر الرواتب وغلاء المعيشة.
فالواقع السوري اليوم لا يخفى على أحد؛ أعباء اقتصادية خانقة جعلت التحضير للعيد مهمة شاقة، بعدما ارتفعت أسعار الملابس والحلويات وكل مستلزمات العيد بشكل يفوق قدرة معظم الناس.
أما السوريون في الغربة، فللعيد عندهم طعم ممزوج بالحنين. يجتمعون في بلاد بعيدة، لكن أرواحهم تبقى معلقة بأحيائهم القديمة، بأصوات التكبير، ورائحة المعمول، وزيارات الأقارب، والأزقة التي كانت تضج بالحياة. ورغم محاولاتهم التأقلم مع أوطان جديدة، يبقى العيد نافذة تعيد إليهم صورة الوطن الذي يسكن قلوبهم مهما ابتعدوا عنه.
ومع كل ذلك، يبقى العيد فرصة للتسامح، ولمّ الشمل، وتجديد الأمل بأن تحمل الأيام القادمة سلامًا واستقرارًا ورحمةً أكبر للجميع.وفي النهاية، قد تتبدل الظروف وتتغير أشكال الاحتفال، لكن روح العيد في قلب المواطن السوري ما تزال حيّة؛ روح تؤمن بأن الفرح، مهما كان بسيطًا، يستحق أن يُعاش. فابتسامة طفل، أو فنجان قهوة مع الجيران، أو زيارة قصيرة لقريب، قد تكون كافية لتعيد للعيد معناه الحقيقي وروحه الجميلة.