الإنزیاح الجمالي في إستطیقا الصدمة ثنائیة الهشاشة والقسوة

غياث الدين نقشبندي

في أربيل، “تستعيد ذاكرة الحجر حيويتها، لتبعث من جديد حكايات الألم الصامتة”.

تحت هذا الشعار المؤلم، يقدِم الفنان “حمە هاشم” نفسه کمدون صامت لتأریخ الجسد من خلال تدوین میتافیزیقي مجبول بالرغبات و الألق الفني، من خلال ‘ذاکرة الحجر’ معالجاً إياه بوصفه وسيطاً وجودیا بين الخشن والناعم، القسوة و الهشاشة، الصلابة والليونة، الظلمة والضوء، الجفاف والرطوبة، الموت والولادة ومابینهما.

لقد نثر ‘حەمە هاشم’ كل هذه الثنائيات المتضادة عبر الکرنافالات اللونیة مستعینا بأصباغ الأكريليك في قاعة الثقافة الجماهیریة في أربيل يوم 21-30 .10.2025 محولا معرضه من معرض عادي لعرض مهارات الرسم، الی مهرجان حافل بکل هذي المنتناقضات ومحاولة جریئة للدفاع عن قضية المرأة من خلال الرمز کمثل السنابل تحت تهديد حجارة المطحنة، رغم معرفتە السابقة بأن الطحن یصبح بعدا إجابیا إذا ما أخذت نتائج طحنه بنظر الإعتبار.

Screenshot

الانزياح الجمالي نحو استطيقا الصدمة والتأويل

كانت اللوحات کما رأیتها، أكثر من مجرد ألوان أكريليك على خامة قماش، بل متابعة وجودیة وجمالية، بدا فيها غوص أکثر سطحیة مما یکمن في أعماق الأنوثة، كانت جروح ذلك الكائن كتطاير براعم وردة أو تناثر قشور رغيف خبز تم أکله للتو.

لقد لامستَ هذي التعبیرات الرمزیة جوهر الانزياح نحو مفهوم إستطيقا الصدمة Aesthetics of Shock قام الفنان بتدمير المتعة البصرية للمشاهد، الهدف ليس الإبهار بل الإقلاق. الألوان الفسفورية التي تخلق حاجزاً مع المتلقي، هي ستراتيجية مقصودة. إنها تشبه تأثير التغریب (Verfremdungseffekt) The Alienation Effectعند بريخت في المسرح، الذي يهدف إلى منع المتفرج من التماهي العاطفي مع العمل وإجباره على التباعد النقدي والتفكير.

الفنان لا يريد منك أن تحب اللوحة، بل يريد أن يهزك أو یصدمك ، لتدفعك الصدمة إلى التساؤل: لماذا أنا منزعج؟ ما مصدر هذا القلق الوجودي الذي تثيره تلک اللوحات في سریرتي؟
الجمال المنحاز كفعل أخلاقي

لم ينجز الفنان الجمال في سبيل الجمال، بل جعله جمالاً منحازاً لقضیة کبری، کما یذهب سارتر في الأدب الملتزم “الفن لیس ترفیها بل هو إلتزام وإنخراط ینحاز بوضوح الی الضحایا” محولاً اللوحة من كائن جمالي محايد إلى فعل أخلاقي بصري.

عندما يكون الألم واضحاً وجلياً، فإن تغليفه بالغموض هو خيانة للألم، لذلک فضل ‘حەمە هاشم’ الصراحة المقلقة، على الغموض المريح؛ مخاطبا الحدس Intuition مباشرة، کونه ليس حدساً غيبياً، بل حدساً أخلاقياً يدرك الظلم دون الحاجة إلى استدلالات معقدة.

البعد الوجودي للألوان

كشف ‘حمە هاشم’ ماهو مدفون في مقابر الزمن عن آلام المرأة المجبولة باللذة التي تکلف النفس مالیس بوسعها؛ محطما بذلك الفراغ الوجودي والخواء الإنساني، وتلك الألوان الصارخة التي تنبع من رحم المأساة التي تم توظیفها کأدواة لإبراز الوسیط المادي علی حساب الإدراك معبرا بذلك عن كوارث صامتة، كأنين الضمیر في مواجهة صمت القمع الخافت.

بقصد، أو بغیر قصد، تم استخدام تلك الألوان لإثارة ضمير المتلقي نحو موضوع أنطولوجي، لجعل کل جزء من أجزاء الألم الإنساني أزلیا بکتابتە علی الحجر، جاعلا موضوع الجرح الأبدي شيئاً مرئياً بدلا من أن يمر بصمت الألم المکتوم.

ذلك اللون الزهري الفسفوري المستخدم في الکثیر من لوحاته هو رمز لتدفق الدماء العذریة ولون أصباغ الأضافر، کذلک یوحی بالغضب ولحظة الإندثار ودفء الخزي وشرر عار الرغبات المكبوتة.

قراءة إستطیقیة

المرأة كضحية في المجتمعات المكبوتة سمة اجتماعية دائمة، كاستعارة كونية لذلك الإنسان الذي عانت جروحه بصمتٍ ولم تستطع أن تصبح حدثاً أنطولوجياً للإنسانية جمعاء. نقشت علی الحجر.
لم يكن المعرض كغيره، لأنه عبر عن الألم بجمال رواقي صامت، مدونا الكارثة بألوان فاقعة تنقش صورا لامرأیة في تصورات المتلقي. لم ينجز ‘حمە هاشم’ الجمال في سبيل الجمال، بل جعله جمالاً منحازا لتلك الكوارث معلنا عن مواجهتە بالتشکیل المجرد، لأن الجمال ليس فقط ما نراه، بل هو ما نشعر به، جمال خلق الإبداع وجمال الحقيقة المدمرة التي تصل إلى النشوة وتكسر أغلال الصمت، وکأنه يظهر جمال الجرح في جغرافيا الجسد لأن الجرح هو مسألة منفصلة بحد ذاتها أي الجرح هو الموضوع ولیس نتیجة لحدث آخر.
تستحیل مهمة التشخیص الإستطیقي الی مهمة صعبة المنال، إذا لم ننطلق من نقطة الأسس الجمالية ولا أقصد هنا التخلي عن اللغز Enigma في مکنونات الجمال حین نقوم بذلک، ليس تخلياً عن أسباب الإدراك، التي بدونها تصبح کل التصنیفات مجرد تلاعبات لفظیة خاویة الفحوی لا تمت بصلة للتصنيف الجمالي.

مسك الختام

یذهب ‘حمە هاشم’ أبعد من لعبة الثنائيات الضدية، بل یغوص في المفاهیم الـجدلیة Dialectics كما طرحها هيغل وأدورنو. لا يعرض الفنان الثنائيات ليبقينا في حيرة من أمرنا، بل ليدخلنا في عملية جدلية تحدث إدراکا حسیا بین الأنا الصلبة والأنا الهشة، الحجر لیس قمعا خارجیا مجردا، بل هو الأنا المتصلبة داخل الذات والمجتمع، بینما الخبز برمزیتە الغذائیة والحیاتیة له مفاهیم ‌قویة رغم رقته الواضحة، فرقائق الخبز الهشة تمثل الأنا المنطلقة المستعدة للإنکسار من أجل العطاء.

هذه هي لحظة التوليف الجدلي: حيث تثبت الهشاشة قدرتها على النقش والتأثير، بينما يثبت الصلب أنه قابل للاختراق والتشكل من صلب الهشاشة. إنها استعارة مزلزلة عن قدرة الضعف الإنساني على نحت التأریخ. الجماليات السلبية Aesthetics Negative ل أدورنو، يصبح الفن جميلاً ليس لأنه يقدم متعة، بل لأنه يجسد اللامتعة و التناقض أو ربما بصیغة أخری یحول الفعل القبیح الی قضیة إنسانیة مطروحة بشکل جمیل. الضوء هنا لا يضيء، بل يعمي بصراخه الصامت. الظلام لا يريح، بل يكشف عن الفراغ الوجودي جاهرا إیاه من ذاكرة خاصة مكبوتة، إلى ذاكرة جمعية علنية

قد يعجبك ايضا