محمد الحيدري
منذ أن عرفت نفسي، صار الغياب حديثي الأبدي عنك، وفراغك أصبح جزءًا من روحي ظل يلاحق قلبي في صمت الليالي. همسًا يلتصق بالجدران، يهمس باسمك في صمت الكون. رغم اني ولدت بعد مرور أحد عشر عامًا على رحيلك، ظل أثر غيابك راسخًا في أعماقي، كجذر شجرة لا تذبل،كنبضٍ يرفض الرحيل، كظل يلاحق كل ما أملك. كلما جئت إلى دارك الأبدي ورأيت الحزن من حولي، اشتعلت في داخلي رغبة جامحة أن أفعل شيئًا يفوق الوصف. بيدَيّ الصغيرتين المضمومتين، كنت أطرق على سقف قبرك، مثل طفل يظن أنه قادر على إيقاظك بعقله الطفولي وصدق إحساسه. لكن مع كل ضربة، بدل أن تنهض، ارتفعت أصوات البكاء أكثر فأكثر، كأن الحزن يتضاعف مع كل حركة مني، وكأن العالم كله يشارك وجعي، يصغي إلى أنيني المكتوم..لا أعرف العنوان، لكنني أعرف العلامات جيدًا، منذ سنوات أتحدث عنك، وعن بلا وطن كالريح، سرٌّ مختبئ بين الذكريات والهمسات، حلمٌ ضاع في متاهات الزمن، ظل يبحث عن ضوءه الضائع. أعلم أن نسيم الغربة البارد يتسلل من بين شقوق النوافذ، يحمل معه رائحة تراب مدينة غريبة، مدينة لم تحنّ يومًا عليك، رغم أنهم حملوك اسمها وباسمِها فُنِيتَ!! مدينة صامتة كالعالم الذي لا يفهمك، كظل يبحث عن فجره المفقود. كل يوم، في ركن تلك الغرفة الصغيرة، على الكرسي الذي أكله الصدأ، كنت تحدق في النافذة تبحث عن شيء مألوف، لكن الشوارع بلا أسماء، غرابة المارة واللغة تصل إليك من وراء الزجاج، لتذكرك أن المنزل الحقيقي في مكان آخر، وقلبك محاصر بين الحنين والوحدة، بين الصمت والصرخة المكتومة. أحيانًا كنت تضع يدك على قلبك، ليس من الألم، بل من ثقل الغصة، الغصة التي لم يسمح كبرياؤك الرجولي بالصراخ بها، الغصة التي حملت صمتك على العالم، كأن الليل نفسه أقام حصارًا حولك. أعرف حنينك في كل وقت، صمت المنزل المظلم، وصوت الساعة وثوانيها التي كانت تبعدك عن ذلك الحضن، سنين طويلة وكأن الزمن صار عدواً صامتًا، يبتعد بك عن نفسك وعن من تحب. أعلم بالرسائل والصور تحت الوسادة المبللة بدموعك، وكلما شعرت بالحنين، كنت تشاهد الصور وتتلمس خطوط الوجوه بأصابعك، وتبتسم بحرقة، محدقا بالعيون التي اشتقت إليها هامسة: “سأعود يومًا…”و في زاوية من زوايا الغرفة عندما كنت تنظر في المرآة الصغيرة، كنت ترى وجهًا باهتًا، مقيدًا، لم يعد يملك القوة للرحيل، وجهًا مثقلاً بصمت لا يرحم، كأن الليل نفسه استوطن في عينيك، كأن كل الأماني توقفت عند حدودك. في لحظات الحديث عن الألم، وتوقف الصوت، كنت مذهولًا من الرسائل التي يجب أن تعبر قارات لتصل إلى من تريد، رسائل كأنها محمولة بأجنحة الحنين، تنبض بالحياة رغم البعد والمسافات.