نجاح هيفو
حين تُحاسَب المرأة مرتين وتُصفَّق الإنجازات مرة واحدة.. لماذا لا مجال للمقارنة؟
ليست القضية صراعًا بين المرأة والرجل، ولا محاولة لإعادة ترتيب ميزان القوة بين الجنسين، بل هي محاولة لفهم حقيقة اجتماعية ونفسية عميقة: المرأة والرجل لا يتحركان داخل المسار نفسه، ومع ذلك يُطلب منهما الوصول إلى النتائج ذاتها، وتُصدر الأحكام عليهما بالمعايير نفسها. وهنا تبدأ المفارقة.. وهنا تحديدًا لا مجال للمقارنة!
على مدار سنوات من العمل في المجالات النفسية والتربوية والاجتماعية، والاقتراب من تجارب نساء في البيوت، ومراكز الإرشاد، والمؤسسات المدنية، وصولًا إلى الأوساط الاعتبارية والسياسية، تبيّن أن معاناة المرأة ليست حدثًا فرديًا، بل ظاهرة بنيوية مرتبطة بثقافة المجتمع وآليات التنشئة الاجتماعية.
تشير الدراسات التربوية إلى أن الفتاة منذ طفولتها تُربّى على مفهوم “القبول الاجتماعي”، بينما يُربّى الذكر على “الإنجاز والاستقلال”. يُشجَّع الصبي على التجربة والخطأ، أما الفتاة فتُدرب على الحذر وتجنب الخطأ. هذه التربية المبكرة تُنتج لاحقًا امرأة تحمل خوفًا مضاعفًا من الفشل، لأنها لا تخشى الخطأ فقط، بل تخشى الحكم الاجتماعي المصاحب له.
في علم النفس الاجتماعي يُعرف هذا بما يسمى الضغط المعياري الاجتماعي، حيث تصبح المرأة مطالبة بالنجاح دون إزعاج التوازن التقليدي للأدوار. أي أنها مطالبة بأن تكون قوية، لكن غير مهدِّدة؛ قيادية، لكن غير صدامية؛ ناجحة، لكن غير متقدمة أكثر مما يسمح به التصور الجمعي.
في الأوساط الاعتبارية، تظهر هذه الازدواجية بوضوح. تُقيَّم المرأة ليس فقط على كفاءتها المهنية، بل على سلوكها الشخصي، طريقة حديثها، لباسها، وحتى تعابير وجهها. بينما يُنظر إلى الرجل غالبًا من زاوية الإنجاز فقط.
كم مرة سمعنا بعد اجتماع ناجح: (هي ذكية… لكن حادة قليلًا). بينما يوصف الرجل في الموقف نفسه بأنه (حازم وقائد)!
هذا الفرق اللغوي ليس تفصيلًا بسيطًا؛ بل انعكاس لما يسميه علماء الاجتماع التحيز الضمني، وهو حكم غير واعٍ يؤثر على تقييم الأداء دون إدراك صاحبه لذلك.
من واقع التجربة، رأيت نساءً يعملن في العمل المجتمعي والسياسي يبدأن يومهن قبل الجميع وينهينه بعد الجميع. امرأة تدير مشروعًا اجتماعيًا، تتابع فريق عمل، تحل أزمات إنسانية، ثم تعود إلى منزلها لتبدأ دورًا آخر لا يقل مسؤولية: أم، ومربية، وداعمة نفسية للأسرة. ومع ذلك، يُنظر إلى نجاحها وكأنه أمر عادي، بينما يُحتفى بالرجل الذي يؤدي نصف هذه الأدوار باعتباره استثنائيًا.
علم الاجتماع يصف هذه الحالة بمفهوم العبء المزدوج (Double Burden)، حيث تتحمل المرأة مسؤوليات العمل والإنتاج إلى جانب العمل العاطفي والأسري غير المرئي، وهو جهد لا يُقاس اقتصاديًا رغم تأثيره العميق في استقرار المجتمع.
وفي المجتمعات الشرقية تحديدًا، تتضاعف التحديات. فالمرأة العاملة في الوسط الاعتباري لا تمثل نفسها فقط؛ بل تحمل توقعات العائلة والمجتمع والتقاليد. أي خطأ مهني قد يتحول إلى حكم أخلاقي، وأي نجاح قد يُقابل بالتشكيك بدل الاعتراف.
أتذكر سيدة وصلت إلى موقع قيادي بعد سنوات من العمل الميداني. بدل الاحتفاء بخبرتها، بدأ النقاش حول قدرتها على التوفيق بين بيتها وعملها. السؤال ذاته لم يُطرح على أي رجل في المؤسسة. هنا لا نتحدث عن تمييز صريح، بل عن ثقافة متجذرة ترى نجاح المرأة حدثًا يحتاج تفسيرًا.
تؤكد الأبحاث النفسية أن المرأة في البيئات التنافسية تبذل جهدًا معرفيًا وعاطفيًا أعلى لإثبات الكفاءة، وهو ما يسمى الإجهاد الإدراكي الاجتماعي؛ إذ لا تعمل فقط لإنجاز المهمة، بل لإثبات أهليتها المستمرة للبقاء في المكان.
ورغم كل ذلك.. تستمر المرأة ليس لأنها أقوى بيولوجيًا، بل لأنها طورت عبر التجربة قدرة عالية على التكيّف النفسي والاجتماعي. فقد أظهرت دراسات في علم النفس التربوي أن النساء العاملات في البيئات الضاغطة يمتلكن مستويات مرتفعة من الذكاء العاطفي وإدارة الأزمات، نتيجة خبرة طويلة في التوازن بين أدوار متعددة.
ومع ذلك، يبقى المشهد paradoxيًا: الانتقاد يأتي مساويًا للرجل، وربما أشد. أما المدح، فيبقى امتيازًا ذكوريًا في كثير من الأحيان. وهنا الرسالة التي يجب أن تصل:
المرأة لا تنافس الرجل المتوازن، بل تواجه أحيانًا عقلية تخشى التغيير، عقلية ترى في نجاحها تهديدًا للترتيب التقليدي للأدوار. لكنها، رغم القيود الاجتماعية، والضغط النفسي، والمسؤوليات الأسرية، تدخل الميدان وتنجح.
هي لا تطلب مقارنة عادلة؛ لأنها تعلم أن الظروف لم تكن عادلة منذ البداية. هي فقط تثبت حقيقة واحدة: أن القوة ليست غياب العوائق، بل القدرة على العبور رغمها. لذلك، لا مجال للمقارنة.
فالمرأة التي تصل وهي تحمل بيتًا ومجتمعًا وتوقعاتٍ وثقافةً كاملة على كتفيها، لا تثبت أنها مساوية للرجل فحسب، بل تثبت أن الإرادة الإنسانية قادرة على إعادة تعريف القوة نفسها. وحين تنجح المرأة، فهي لا تفتح بابًا لنفسها فقط، بل تفتح طريقًا لنساء لم يُسمح لهن حتى بالحلم!