محمد علي محيي الدين
وُلد الدكتور بشّار عوّاد معروف في الأعظمية ببغداد عام 1940، في بيئةٍ تشبّعت بروح العلم وعبق التاريخ، فكان منذ بداياته ميّالًا إلى الكتب، مأخوذًا بسحر الرواية التاريخية ودقّتها. أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في الأعظمية سنة 1960، ثم التحق بكلية الآداب في جامعة بغداد، قسم التاريخ، وتخرّج فيها عام 1964، ليبدأ منذ تلك اللحظة مسارًا علميًا طويلًا اتّسم بالجدّ والمثابرة والتفرّغ النادر.
بعد تخرّجه، واصل دراسته العليا فنال درجة الماجستير من جامعة بغداد عام 1967، ثم قُبل في العام نفسه طالبًا للدكتوراه في قسم اللغات الشرقية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، حيث أعدّ رسالته الموسومة بـ«الحضارة الإسلامية في ظل الدولة السامانية»، غير أن ظروف الإقامة حالت دون مناقشتها هناك. ولم يتوقّف طموحه العلمي، إذ نال درجة الدكتوراه في التاريخ من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1976، مؤكّدًا حضوره الأكاديمي بوصفه باحثًا رصينًا ومحققًا صارمًا.
دخل الخدمة المدنية مبكرًا عام 1962، فعمل في المكتبة المركزية لجامعة بغداد، ثم انتقل إلى معهد الدراسات العليا، قبل أن يُعيَّن مساعد باحث في كلية الشريعة بجامعة بغداد عام 1967. وما لبث أن أصبح معيدًا فيها، ومحاضرًا في كلية الإمام الأعظم، وكلية الدراسات الإسلامية، والجامعة المستنصرية. وفي عام 1970 انتقل إلى قسم التاريخ في كلية الآداب، حيث تدرّج في السلم الأكاديمي من مدرس إلى أستاذ مساعد، ثم نال مرتبة الأستاذية عام 1981، وهي المرتبة التي استقر عندها بوصفه واحدًا من أبرز أعلام التحقيق التاريخي في العراق والعالم العربي.
تولّى رئاسة قسم التاريخ في كلية الآداب بين عامي 1980 و1981، ثم اختير أستاذًا متفرغًا للبحث العلمي في مركز إحياء التراث العلمي العربي بجامعة بغداد. ولم يكن التدريس عنده وظيفةً عابرة، بل رسالةً، إذ تخرّج على يديه مئات الطلبة الذين أصبحوا لاحقًا قامات علمية معروفة في الجامعات ومراكز البحث. وكان من مستشاري وزارة الأوقاف ولجنة مراقبة المطبوعات الدينية، وفي أواخر أيامه آثر الانصراف الكامل إلى البحث والتأليف، فاعتزل الأضواء، وقلّ حضوره في المؤتمرات والندوات، كأنه نذر ما تبقّى من عمره لإنجاز مشاريعه العلمية الثقيلة، إلى أن استقر في عمّان بالأردن حتى رحيله.
نال الدكتور بشّار عوّاد معروف عضوية وخبرة علمية في مؤسسات رفيعة المكانة؛ فاختير خبيرًا في المجمع العلمي العراقي عام 1981، ثم عضوًا عاملًا فيه عام 1985، وعضوًا مؤازرًا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية الأردني. وفي عام 1988 صدرت الإرادة الملكية الهاشمية في عمّان بمنحه عضوية المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت)، تقديرًا لمكانته الفكرية وإسهاماته في بناء الثقافة الإسلامية المعاصرة، ثم انتُخب عضوًا في مجلس المجمع منذ عام 1992. كما اختير عضوًا في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، وعضوًا في هيئة أمناء المعهد الإسلامي العالي للدراسات الإسلامية في الولايات المتحدة، وعضوًا في المجلس الأعلى العالمي للمساجد في مكة المكرمة.
شارك في مؤتمرات علمية عربية ودولية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وأسهم في عدد كبير من الندوات داخل العراق وخارجه. وكتب عشرات البحوث والدراسات في التاريخ وتراجم الرجال، نُشرت في أبرز الدوريات العربية، وتميّز بإتقانه اللغة العربية والإنكليزية، وكثرة رحلاته العلمية إلى البلدان الإسلامية بحثًا عن المخطوطات، وزيارةً ومحاضرةً ومشاركةً علمية.
أما منجزه العلمي، فيُعدّ من العلامات البارزة في تاريخ التحقيق والدراسة التاريخية، إذ ألّف وحقّق عددًا كبيرًا من كتب التراث، نُشرت في بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت وعمّان، وكان معظمها في تاريخ الفكر العربي والإسلامي، ومن أشهر أعماله: «أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين»، و«الذهبي ومنهجه في كتابة تاريخ الإسلام»، و«تواريخ بغداد التراجمية»، و«ضبط النص والتعليق عليه»، فضلًا عن تحقيقه الموسوعي لكتب كبرى مثل «التكملة لوفيات النقلة»، و«تهذيب الكمال في أسماء الرجال»، وأجزاء من «سير أعلام النبلاء»، وهي أعمال رسّخت اسمه بوصفه واحدًا من أعمدة التحقيق الحديث.
وقد أجمع من عرفه وقرأ له على فرادته العلمية. يقول الأستاذ عمر العبسو فيه: «الأستاذ بشّار عوّاد معروف ذو شخصية متميزة، له نظرته الموضوعية، وهو مجدّ في البحث العلمي، نقّاد للروايات والنصوص، مدقّق، مستحضر في تراجمه حال الرجل باستيعاب، وحينما ينقل كلام علماء الجرح والتعديل لا يكتفي بالنقل، بل يفسّر ويجمع وينقد ويعلّق». ويضيف واصفًا همّته النادرة: «له فطنة عالية وذكاء حاد وهمّة لا نظير لها اليوم، فهو يقضي ما يقرب من ثلثي يومه بين القراءة والبحث والتحقيق، وكلما زرته وجدته ممسكًا بقلمه وكتبه وقراطيسه، لا يكلّ ولا يملّ».
هكذا عاش الدكتور بشّار عوّاد معروف: عالمًا زاهدًا في الضجيج، ناسكًا في محراب المخطوط، وحارسًا أمينًا لذاكرة التراث الإسلامي، ترك أثره في الكتب والطلبة، وبقي اسمه مقرونًا بالدقّة والأمانة العلمية والوفاء للنصّ والتاريخ.