نبيل_الربيعي
رحلة الانتقال من حلم الأب (العمامة والوجاهة) إلى خيار الذات (العلم والماركسية). كان انكسار حلم الأب وولادة الاختيار؛ من هنا بدأ د. حسين مروة حياته مرتدياً عباءة لم ينسجها لنفسه، بل نسجها له جبل عامل وتوق والدهُ. المفارقة التي يذكرها في مذكراته هي أن النجف، التي قُصد لتكريس الشيخ المرموق، كانت هي المكان الذي شهد موت الحلم وولادة المثقف الحر.
فأنتقل من دراسة العلم كمهنة ووجاهة اجتماعية، إلى دراسة العلم كهدف وجودي. فكانت النجف الحاضنة غير المتوقعة للماركسية. يكشف مروة عن وجه مغاير للنجف في العشرينيات والثلاثينيات؛ فهي لم تكن قلعة للفقه فحسب، بل كانت نافذة يطل منها طلاب العلم على مجلات مصر ولبنان مثل: (المقتطف، الهلال، العصور). فكانت المصطلحات الحديثة (الاشتراكية، المادية) الطلسم، كما تبدو له والألغاز، لكن عناد المعرفة لديه حولها إلى أدوات للتنوير.
لم يدخل مروة إلى الماركسية من بابها العريض فوراً، بل مرّ بمحطات انتقالية من خلال فرح أنطون الذي قدم له ماركس مشوهاً أو غيلاً في رواية (الدين والعلم والمال). لكن شبلي شميل وإسماعيل مظهر، قد وضعا له الحجر الأساس في التفكير المادي ونظرية التطور. وكان الشهيد حسين محمد الشبيبي الجسر الحقيقي الذي نقله من ماركس المتخيل إلى ماركس العلمي عبرَ اللينينية والبيان الشيوعي.
يشير مروة في مذكراته إلى نقطة جوهرية للتلازم بين الكدح والفكر، والواقع يسبق النظرية. عندما وجد نفسه فقيراً يكدح من أجل الكفاف في بغداد، لم تعد الماركسية بالنسبة له مجرد قراءات محرمة، بل صارت تفسيراً للواقع الطبقي الذي يعيشه يومياً.
يوضح مروة في مذكراته التمييز الدقيق بين الانتماء الفكري مقابل الانتماء العضوي؛ الذي نضج ببطء وتراكم عبر السنوات. أما الانتماء الحزبي الذي تأخر بسبب التردد أو الظروف السياسية، حتى حسمه نوري السعيد بقرار الإبعاد، وكأن السلطة هي من دمغت هويته السياسية قبل أن يفعل هو ذلك رسمياً.
وبعد رحلة في ربوع الماركسية حتى تاريخ الاستشهاد (عام 1987)، اضفى عليه هالة من القدسية الفكرية؛ فالرجل الذي بحث عن المجهول في غابات المعرفة، دفع حياته ثمناً لهذا الوضوح الذي وصل إليه.