الدكتور جابر عزيز الشكري عالِمٌ عراقيٌّ بين المختبر والجامعة وتاريخ الحضارة

محمد علي محيي الدين

وُلد الدكتور جابر عزيز الشكري في مدينة الكوفة عام 1918، في بيئةٍ عُرفت عبر تاريخها بولعها بالعلم والمعرفة، فكان واحدًا من أولئك الذين صاغت المدينة وعيهم المبكر، ودفعهم شغفهم بالدرس والتحصيل إلى آفاقٍ أبعد من حدود المكان. أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة في الكوفة عام 1932، ثم انتقل إلى بغداد ليكمل تعليمه في الثانوية المركزية، التي تخرّج فيها عام 1938، وهو عام مفصلي في مسيرته، إذ شهد انتقاله من مقاعد الدراسة المحلية إلى الفضاء العلمي الأوروبي.
في العام نفسه، التحق بالبعثة العلمية الحكومية إلى سويسرا، فالتحق بجامعة زيورخ، إحدى أعرق الجامعات الأوروبية، حيث انصرف إلى دراسة علم الكيمياء بجدٍّ ومثابرة لافتتين. وخلال السنوات الممتدة من 1938 إلى 1946، أكمل دراساته الجامعية والعليا، فنال شهادات الليسانس والماجستير والدكتوراه، في فترةٍ كانت ظروفها العالمية صعبة بسبب الحرب، ما يجعل من إنجازه العلمي في تلك السنوات شاهدًا على صلابته الفكرية وقدرته على التفرغ للعلم في أحلك الظروف.

عاد الدكتور الشكري إلى العراق عام 1946، محمّلًا بخبرة علمية رصينة ورؤية حديثة للتعليم والبحث، فعيّن مدرسًا في دار المعلمين العالية، المؤسسة التي كانت تمثل آنذاك ركيزة التعليم العالي في العراق. ولم تمضِ سنوات قليلة حتى تدرج في المناصب الأكاديمية، فشغل موقع الأستاذ المساعد عام 1951، ثم معاونًا للعميد عام 1952، ليكون واحدًا من الأسماء العلمية التي أسهمت في ترسيخ قواعد التعليم الجامعي الحديث، لا بوصفه ناقل معرفة فحسب، بل بوصفه مربّيًا وصاحب رؤية.
ونظرًا لما امتلكه من خبرة علمية وتطبيقية، أُعيرت خدماته إلى المصرف الصناعي، حيث تولى منصب مدير المشاريع الصناعية، وهو موقع يكشف عن الثقة التي وُضعت به في ربط المعرفة الأكاديمية بالتنمية الاقتصادية. وفي عام 1962 أصبح مديرًا عامًا بالوكالة، مشاركًا في مرحلة حساسة من مراحل بناء الصناعة الوطنية، حين كان العراق يسعى إلى الاستفادة من طاقاته العلمية في تطوير بناه التحتية.
وفي العام نفسه، عُيّن ملحقًا ثقافيًا في مدينة بون بدرجة أستاذ، فكان ممثلًا للثقافة العراقية في الخارج، جامعًا بين الدور الأكاديمي والدبلوماسي الثقافي. ثم تولى منصب مدير التعليم العام في وزارة التربية منذ عام 1966، وأسهم في إدارة شؤون التعليم وتطوير مناهجه، قبل أن يُعاد إلى العمل الثقافي الخارجي ملحقًا ثقافيًا في جدة عام 1970. وبعد عودته إلى العراق، عُيّن مفتشًا اختصاصيًا في وزارة التربية عام 1971، ليواصل إشرافه العلمي والتربوي، مستثمرًا خبرته الطويلة في تقويم الأداء التعليمي.
ومنذ عام 1973، تفرغ للبحوث العلمية في مجال الكيمياء في كلية العلوم، حيث شغل مرتبة أستاذ للفترة 1974–1975، ثم درّس تاريخ العلوم والحضارة في كليتي العلوم والتربية، في تجربة علمية فريدة جمعت بين التخصص الدقيق في الكيمياء والنظرة الشمولية إلى تطور المعرفة الإنسانية. وقد مكّنه هذا الجمع من تقديم رؤية متوازنة للعلم، لا بوصفه معادلات ومختبرات فحسب، بل بوصفه نتاجًا حضاريًا متراكمًا، أسهمت فيه الأمم، وكان للعرب والمسلمين فيه دورٌ لا يُنكر.
نال الدكتور الشكري عضوية عدد من الجمعيات العلمية المرموقة، منها الجمعية الكيمياوية السويسرية والجمعية الكيمياوية الهندية، كما اختير عضوًا مؤازرًا ثم عضوًا عاملًا في المجمع العلمي العراقي عام 1979، وعضوًا مؤازرًا في مجمع اللغة العربية الأردني عام 1980، وهو ما يعكس مكانته العلمية وتقدير الأوساط الأكاديمية له داخل العراق وخارجه.
شارك في مؤتمرات علمية كيميائية في سويسرا وألمانيا وهولندا وحلب، وقدم بحوثًا أصيلة نُشرت في بغداد والهند وليبزك وسويسرا، وقد تحولت بعض النتائج التي توصّل إليها إلى مواد كيميائية ذات طابع تجاري ومراجع علمية معتمدة، وهو إنجاز يُحسب له في ميدان البحث التطبيقي. وكان يتقن العربية والألمانية والإنكليزية، مما أتاح له الاطلاع المباشر على أحدث المنجزات العلمية العالمية، والتواصل مع المدارس البحثية المختلفة دون وسيط.
وإلى جانب بحوثه، ترك الدكتور جابر الشكري عددًا من المؤلفات المهمة، من بينها “الكيمياء العضوية” الصادر في بغداد عام 1951، و“الكيمياء العضوية (عملي)” عام 1953، و“النفط والبتروكيمياويات” و“النفط والمواد البتروكيمياوية” الصادران عام 1973، فضلًا عن كتابه “تاريخ العلم” الذي أُلّف بتكليف من كلية العلوم، وكتابه الكبير “مفردات المواد الطبية والكيمياوية بين الحاضر والماضي” الواقع في أربعة أجزاء، وكتابه “مواد التجميل في الحضارة العربية” الصادر عن المجمع العلمي العراقي عام 1984. وتدل هذه المؤلفات على عالمٍ لم يحصر نفسه في نطاق المختبر، بل سعى إلى وصل العلم الحديث بجذوره التاريخية والحضارية.
وكان الفقيد من ألمع التدريسيين في الجامعة العراقية، مشهودًا له بسعة الصدر، وصدق التعامل، والإخلاص في أداء الواجب، لا يدّخر جهدًا في مساعدة طلبته ومساندتهم علميًا وإنسانيًا. وقد لخّص الدكتور صالح أحمد العلي، رئيس المجمع العلمي العراقي، هذه السيرة بكلمات معبّرة عند رحيله، حين قال إن تصرفاته اتسمت طوال حياته بالجدية والتفكير السليم، والصدق في القول والعمل، والدماثة في المعاملة، والرغبة الفطرية في إسداء العون، والحرص على التعاون وخدمة الأمة، وهي صفات عززت مكانته في قلوب زملائه ومعارفه.
وفي أواخر أيامه، أُصيب بأمراض الشيخوخة، لكنه ظل مواظبًا على الحضور العلمي والعمل الأكاديمي ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، حتى غادر الدنيا عام 1987، تاركًا خلفه سيرة عالمٍ عراقيٍ أصيل، جمع بين العلم الرصين، والوعي الحضاري، والأخلاق الإنسانية الرفيعة، وبقي اسمه شاهدًا على جيلٍ آمن بأن المعرفة رسالة ومسؤولية، لا مجرد مهنة أو منصب.

قد يعجبك ايضا